كتبت ميس كريدي
لأن ذاكرتي شيوعية ميس الكريدي في الثمانينات كنت أنشد الصيحات الطلائعية ولعا بوجه الوطن..
لقد ظننت عمرا كاملا أني ورثت عن أبي ولعي بالوطن فإذا بي ورثت عنه هزائمه السياسية أيضا..
حفظت أشعار محمود درويش وسميح القاسم ….تفاخرت بإلقائها غيبا ..وبينما كانت زميلاتي يغنين صيدلي يا صيدلي….كنت أغني مع فرقة الطريق العراقية كفر قاسم……..
ولأن والدي شيوعي تعلمت من رفاقه في الرحلات ((سالم حزبنا.سالم حزبنا…..حزبنا حي ما مات سالم حزبنا))
ولأني كنت عريفة الصف ومعلمتي رفيقة شيوعية أيضا كنت أسمي الفرقة بأسماء الشباب الذين يقومون بعمليات انتحارية في جنوب لبنان..سناء محيدلي وجدي صايغ ..مالك وهبي……
وعشت نضالي الطفولي اليساري وهمت في حب الوطن أكثر ولبنان وفلسطين وكرهت الملك حسين ..وسرا كما وصاني أبي كلما تحدث عن السياب والبياتي ومظفر النواب انتميت لتراب العراق ..وتمنيت أن ينتصر على إيران وفرحت بالسلك المكهرب الذي قضى على انتحارييها الذين ألبسهم الولي مفاتيح الجنة..
في التسعينات صار والدي ناقما على التنظيمات وصرت أسمع حكاياته عنها .. كولسة الانتخابات..وفضائح القيادات..وصرت أقرأ الصفحات التي يقرؤها ولأول مرة سمعت عن فرج الله الحلو فبكيت تلك الليلة كثيرا .. في عام 2003 قدمت أمسيتي الشعرية الأولى نحيبا على بغداد…مع العلم أن أول قصيدة شعر كنت أظنه شعرا كانت يوم سقوط الاتحاد السوفياتي.
نعم أنا لم أكن أكتب الشعر بل كنت أرثي أوطانا..أجتر حكايات والدي ورفاقه بوهج كلمات من مخزون الخوف وهيستريا المخابرات السورية التي سرقت وجوها كثيرة.. تحت سقف طفولتي نفخوا دخان سجائرهم الوطنية التي كانت تملأ الأرض رمادا والهواء دخانا وأخيلة .
كنت ألف صندويشاتي المدرسية بالجرائد اليومية التي تعطيها جارتنا زوجة الصحفي لأمي وأبدا لم أمزق ورقة من منشوراتهم المخروزة من جانب واحد أو في المنتصف وبلا غلاف…..
ذات صباح تعرض محمود درويش لمحاولة اغتيال …وأنا التي عرفت فلسطين وارتدت حقولها على بساط خياله قالوا إن فلسطين لا تحبه ..و ماذا عن الأرض وأنا الأرض والأرض أنت ……وحبل الغسيل الذي ألقيت روحي عليه حتى التحم به قلبي ونشرت أوراقي على مساحاته…
هل جن الوطن أم محمود درويش ….أو هذا إنذار للبشرية.. يا سادة رحلتي على أبواب الذكريات طويلة وأنا امرأة تعلمت أنوثتها من مطر السياب وانتفخت بالدمع ..وحكايات الدم فنسيت أن تقرأ نزار قباني لعلها ترتدي الأزرق على ضفاف جدول.
ويوم قررت أن أثور لأنوثتي وأقرأه دخلت الحداد على بلقيس ولم أخرج…… تبا لحكاياتهم عن الوطن بين الرصاصة والرصاصة……الوطن الربيع أين هو في هذي البقعة من الأرض..تبا للموت
شهدائي بيد الأنظمة أكثر من شهدائي بيد الأعداء..قتلى الحروب الأهلية والمجازر هل يعدهم لي أحد..لا للموت لا للقتل ..سأعلن انتمائي لحزب الإنسان أنا نعم هذه كينونتي الأساسية..هذه بيولوجيتي.. خلايا ودم ..
هذه هويتي التي سأناضل من أجلها أولا وبعدها عندما أكون سأعلم الوطن من أكون….والحرية علامتي المسجلة الأصلية..أنا الحر وبعدها ستكون بلادي حرة حتما….
متة شارفت على الإنتهاء .