إنسان اليوم: أسرار وأسوار
عاش الناس الأقدمين الأوائل عيشة الوحوش والبهائم. كان همهم الرئيس، بداية، السعي للحصول على وسائل العيش والحياة (من مأكل ومشرب ومأوى). عاشوا على سجيتهم وفطرتهم وطهرهم وبراءتهم وتفكيرهم الطفولي. عواطفهم هزيلة وغرائزهم غامضة, يعانون من آلام وأمراض بدنية ونفسية غير مفسرة بالنسبة لهم؛ وليس لهم الحيلة والوسيلة للشفاء منها.
ومع مرور الزمن نهضت حياة الناس، وتطورت عقولهم وأفكارهم وسلوكياتهم. ولقد لعب وجود المرأة إلى جانب الرجل الدور الأبرز في تفجر المشاعر والعواطف والأحاسيس، وفي تقليص مساحة الحياة الفردية والانتقال بها إلى حياة الجماعة (أسرة ـ قبيلة ـ عشيرة ـ أمة.. الخ). ثم بدأ الناس، تدريجياً، يتمايزون فيما بينهم تبعاً لأجناسهم وأعراقهم والبيئة الجغرافية المحيطة بهم، فصار بعضهم يتميز بالجسم الصحيح أو الفكر المتقد أو المشاعر الدافقة أو الذكاء الوقاد… الخ، والبعض الآخر: عليل الجسم. محدود التفكير. ضعيف. خجول. كسول.. الخ.
والسؤال الذي يطرح في هذا المقام هو: هل هذا التمايز جاء مصادفة أم هو وليد عوامل مختلفة عديدة؟!
هل التمايز بين الأفراد في المجتمع الواحد ينسحب إلى تمايز بين المجتمعات والشعوب والأمم المختلفة؟
هل هناك علاقة تآزر بين الجسم السليم والعقل السليم، أم أن هناك شواذ كثيرة في هذه العلاقة المسلم بها من الكثيرين؟
تعالوا نحاول الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها فيما يأتي!
أولاً: علمياً لا يوجد شيء اسمه مصادفة. لأنه لا أثر بغير مؤثر ولا نتيجة بغير سبب!
إذا ماهي أهم عوامل التمايز بين إنسان وآخر.
1- في المرتبة الأولى تأتي الوراثة. وإليها يعزو العلماء الشيء الكثير. والوراثة مادية ومعنوية: مادية تنتقل بها صفات الجسم وأشكاله، أو أمراض بنفسها أو استعداد للإصابة بها (مثل الربو والسكّري والسمنة وغيرها). ومعنوية تنتقل بها مزايا خلقية معينة أو استعداد لها (كالذكاء والشذوذ والكرم والشجاعة والجنون وغيرها).
تجدر الإشارة إلى أن هذا التعريف التقليدي للوراثة هو غير مقبول على إطلاقه من العلماء والباحثين اليوم. فهم يستطيعون الآن تعديل الموروثات السيئة المنقولة من الآباء إلى الأبناء من خلال تعديل الغذاء والمعيشة ونمط الحياة والإقليم.
وكمثال على فعل الوراثة هذا، يؤكد العلماء بأن اليهود مثلاَ منيعون على الإصابة بمرض السل على الرغم من اختلاطهم بالمسلولين. وأن الزنوج على عكس ذلك مستعدون للإصابة بهذا المرض.
كما أن قرابة الدم بين الأزواج تضخم الموروثات، أما الزواج من البعيدات فيصلح في الأسرة ما فسد فيها. حتى إذا مرت أنسال ثلاثة اختفت بعض الصفات الرديئة. وتؤكد الإحصاءات أن 10% من الصم والبكم و5% من العميان و15%من البلهاء كانوا نتيجة الزواج بالقريبات ولا سيما أبناء العمومة أو الخؤولة.
غير أن هناك بعض المفارقات التي تختارها الوراثة، منها مثلا ً أن رجلاً طويل القامة دميم الخلقة تزوج امرأة قصيرة وجميلة، أراد بذلك أن يكتسب أولاده الطول منه والجمال من أمهم، فإذا أولاده يجيئون قصاراً كأمهم ودميمين مثله.
2- أجهزة الجسم المختلفة وغدده وأعصابه. حيث أن هناك علاقة تأثّر وتأثير متبادل بين أمراض الجسم وأمراض العقل. في جهاز الهضم مثلاً: الإسهال المزمن أو القرحة الهضمية أو الزحار المزمن أو قصور الكبد تؤدي إلى اضطرابات نفسية كبيرة قد تكون أقسى على المريض من هذه الأمراض نفسها، إذ يعتريه ذهول فكري واختلاط عقلي ويرى الحياة تعيسة شقية، إلى جانب حسرة شديدة وغم عظيم مما يؤدي إلى وهن في الأعصاب والدماغ. هذا الوهن بدوره يعود ويؤثر على الأمراض الجسمية فيزيدها شدة وقسوة.
لقد لاحظ العلماء أن أكثر المجرمين أو الذين يحملون ميلاً إلى الإجرام، كانوا مرضى في سنواتهم الأولى، أو في مطلع شبابهم. أمراضهم الجسمية خلفت في عقولهم عقداً واضطرابات نفسية خطيرة.
ولئن كانت القاعدة المعروفة: العقل السليم في الجسم السليم، صحيحة من حيث المبدأ، إلا أن الكثير من الشواهد التاريخية الموثقة تشذ عن هذه القاعدة لأسباب غير مفسرة بالحد الكافي. لقد عاش، مثلاً، بعض الفلاسفة وأهل الفكر والعلم والأدب، سقيماً عليلاً يشكو الأذى في قلبه أو كبده أو معدته أو عقله.
الجاحظ مثلاً كان جاحظ العينين، ثم أصيب بالنقرس، ثم أضحى مشلولاً، وأنتج مع ذلك كله إنتاجا ضخماً من المؤلفات الهامة، ولا يزال حجة في العلم والأدب.
والمتنبي كان مريضاً بالملاريا، وكانت تهز جسمه وشعوره نوبات البرداء الفظيعة، ومع ذلك كتب قصيدته الميمية الرائعة يصف فيها نوبة الحمى وصفا لا يختلف عما نصفها به نحن اليوم، إذ يقول:
عليلُ الجسم ممتنع القيام … شديد السكر من غير المُدام
وزائرتي كأن بها حياءً … فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا … فعافتها وباتت في عظامي
يضيق الجلد عن نفَسي وعنها … فتوسعه بأنواع السَقام
إذا ما فارقتني غسلتني … كأنا عاكفان على حرام
كأن الصبح يطردها فتجري … مدامعها بأربعةٍ سجام
أراقب وقتها من غير شوق … مراقبة المشوق المستهام
ويصدق وعدها والصدق شرٌّ … إذا ألقاك في الكُرَب العظام
وهناك أمثلة تاريخية كثيرة عن عباقرة ومبدعين ومفكرين وفلاسفة، عانوا في حياتهم من أمراض وعلل بدنية ونفسية قاسية، ومع ذلك أنتجوا ما أنتجوه من علم وفن وإبداع وحكمة. على سبيل المثال: روسو وغوته ونيوتن وباسكال وفولتير وبلزاك ونيتشه. نيتشه الفيلسوف الرائع والذي دخل مستشفى المجانين عدة مرات في حياته. نيتشه المجنون هذا يستحق القراءة مرات ومرات. وهو القائل: (إن الذي يعرف كيف يتنفس رياح كتاباتي يدرك أنها رياح الأعالي، رياحُ عنيفة، لابد أن يكون الشخص مهيئاً لها، وإلا فلن يكون الخطر ضئيلاً في أن يصاب المرء بالبرد؛ فالثلج إلى الجوار، والعزلة رهيبة، ومع ذلك: ما أروع أن يتمدد كل شيء بطمأنينة تحت النور! كم هو رائع أن يتنفس المرء بحرية!
إن الفلسفة كما فهمتها وعشتها حتى الآن هي تعمد العيش في الثلج على الجبال الشاهقة، والبحث عن كل شيء غير مألوف)
إن قراءة نيتشه تشبه لذة اكتشاف النار لأول مرة. هو يَكفر أحيانا حتى يكاد يُفصّل لذاته ملابس إله على مقاس جسمه ليكون هو محرك الكون. ويؤمن أحيانا حتى لتكاد تحسبه قام لتوه من سجود لا زمن فيه. ييأس حتى لتقول إنه كان يكتب كلمات الوداع قبل قرار قطع الشريان أو القفز تحت قطار. ويتفاءل حتى لتقول هذا مَن يُمكن لقلبه أن يعيش طويلا. يحتقر المرأة حينا فتكون عنده رمزَ الضعف الإنساني المشين، ويجعل منها إله الرجل في مرات أخرى. نيتشه عاش ومات، وبقي جمره ورماده، فحمه ولؤلؤه، تتقاسمه الأيدي والأبصار، فتعمى به حينا، ويكنس عنها الظلام أحيانا.
3- السموم الخارجية (كحول ـ تبغ ـ أدوية ـ مخدرات وغيرها). وهي تؤدي إلى الإخلال بوظائف الجسم والعقل معاً. الإدمان على شرب الكحول مثلاً يؤدي إلى آثار سلبية، إن ليس على جسم وعقل المدمن، فعلى جسم وعقل أولاده وأحفاده. أما التدخين فآثاره السلبية معروفة للجميع. وأما الأدوية فهي أيضا سموم معقدة الذرات والتراكيب، والحكمة تكمن في اختيار الضروري منها والامتناع عن تناول الدواء بعشوائية ودونما ضابط. أما الحكمة الأفضل فهي في نصيحة أبو بكر الرازي: (إن استطاع الحكيم أن يعالج بالأغذية دون الأدوية، فقد وافق السعادة). وفي قول الكندي: (إن الدواء من البدن، كالصابون من الثوب، ينقيه ولكنه يُخلِقه) أي يجعله بالياً.
4_ الإقليم. وهو سبب هام من أسباب التمايز بين البشر سواء على مستوى الشكل والسمات الشكلية أو على مستوى الطباع والعادات والمميزات النفسية والروحية.
مثلاً السكان في الولايات المتحدة الأمريكية انتقلوا إليها من سنين طويلة بعد أن غادروا بلادهم الأصلية التي كانوا يعيشون فيها. غير أن الفاحص المدقق يستطيع أن يعرف مخاطبه من تقاطيع وجهه ولون جلده وطريقته بالنطق والمحادثة.
باحثة أمريكيّة مختصّة في علم النفس والسلوك، سافرت إلى مصر في نطاق جولة حول العالم، تدرس من خلالها مستوى الذكاء الفطري عند الطفل، وتأثير البيئة على هذا المستوى. وبعد عودتها نشرت تقريرا مفصلا عن نتائج دراستها. جاء في التقرير: إنّ الذكاء الفطري عند الطفل المصري أعلى من مستواه لدى جميع الأطفال الآخرين الذين شملتهم بحوثها، ولكنّ البيئة المصريّة هي من أكثر البيئات تخريبا لهذا الذكاء وأشدّها تدميرا!
إن إصلاح الإنسان يجب أن يتناول البيئة التي يعيش فيها، فالإقليم والهواء والغذاء عوامل هامة في تكييف الإنسان وبعثه جديداً على غير النحو الذي كان عليه، وهذا ما يسمى بالأقلمة. وكثيراً ما نرى شفاء الأمراض بهذه الأقلمة. مثلاً:
المصاب بالسل الرئوي يتحسن أو يشفى في المصحات الجبلية.
المصاب بارتفاع الضغط تتحسن حاله في الوديان والمنخفضات.
المصاب بفقر الدم تتحسن حاله في المرتفعات.
ويجب أن نعلم أن الكثير من العبقريات الفكرية والعقول النيرة هي وليدة البيئة المواتية والإقليم الملائم.
ـ تلكم كانت أهم العوامل التي أدت وتؤدي إلى التمايز بين البشر ذكوراً وإناث. أما إذا ما خصصنا الحديث عن معشر الرجال وتمايزهم على مر العصور، فإن الإنصاف يقتضي أن نضيف عاملاً هاماً آخر، ألا وهو المرأة.
ما من شك أن المرأة لعبت وتلعب دوراً هاماً في إثارة كل ما نراه من الإمكانات والعبقريات، فهي تقوم بدور مستتر جبار في خلق الحوادث والرجال، وفي إطلاق وتفجير المواهب الكامنة. وهي صاحبة الفضل في جعل الرجل إنساناً مهذباً، رقيق الحواشي مصقول الجانب. ومن المعروف أن في حياة كل رجل عظيم امرأة سمت بأحلامه وأمانيه إلى العلاء، فكانت سر عظمته وإبداعه وخلوده. والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن حسبنا في هذا المقام أن نشير إلى شخصيتين اثنتين أبدعتا شعراً خالداً، وسيبقى خالداً على مر العصور.
الأولى سليمان بن داوود الملك، والثانية نزار قباني.
ومع أننا لسنا معنيين بـ “قداسة” سليمان الملك (على ما ورد في الكتب) أو”لا قداسة” نزار قباني، إلا أننا معنيون حتى النخاع بعبقريتهما الشعرية الخارقة للمألوف، والتي لعبت المرأة الدور الأبرز في تفجرها. المرأة التي عُتم عليها في حياة الشخصية الأولى (بأمر من رجال الدين وكتبة الكتب المقدسة) فأبدعت هذه الشخصية نشيد الإنشاد الرائع، أو التي مرت في حياة الشخصية الثانية فألهمتها الكثير من قصائد الحب والغزل الراقي؛ وليست قصيدة الرسم بالكلمات إلا واحدة من فيض.
بين (نزار) و(سليمان) خيطٌ سميكٌ من الحبّ الجارف، والغزل الحسي، والوصف الإباحي، والجنس الملتهب!!
بين (نزار) و(سليمان) قصةُ عشقٍ، ولوعةٍ، ووصلٍ، وفراقٍ، وهيامٍ، وفجور!!
بين (نزار) و(سليمان) هذا المزيج المدهش من شرابَين: نشيد الإنشاد والرسم بالكلمات.
إليكم المزيج!.. فاشربوا منه ولا تسكروا:
لا تطلبي مني حساب حياتي
إن الحديث يطول يا مولاتي!
كل العصور أنا بها
فكأنما عمري ملايين من السنوات
تعبتْ من السفر الطويل حقائبي
وتعبتُ من خيلي ومن غزواتي..
ما أجملكِ وما أحلاكِ
أيتها الحبيبة باللذات
قامتك هذه شبيهة بالنخلة
رائحة أنفك كالتفاح
وحنكك كأجود الخمر
السائغة المرقرقة السائحة على شفاه النائمين.
ما أجمل رجليك بالنعلين يا بنت الكريم!
سرّتكِ كأسٌ مدورة لا يعوزها شراب ممزوج
عنقك كبرج من عاج
رأسك عليك مثل الكرمل
وشعر رأسكِ كأرجوانُ ملكٍ قد أُسر بالخصلْ.
ها أنتِ جميلةٌ يا حبيبتي.. ها أنتِ جميلة
كالسوسنةِ بين الشوكِ
كذلك أنتِ بين البناتِ
فمكِ المطيب لا يحل قضيتي
فقضيتي في دفتري ودواتي
لم تبق زاوية بجسم جميلة
إلا ومرت فوقها عرباتي
فصّلت من جلد النساء عباءةً
وبنيتُ أهراماً من الحلماتِ
وكتبت شعراً لا يشابه سحره
إلا كلام الله في التوراة.
واليوم أجلس فوق سطح سفيني
كاللص أبحث عن طريق نجاة
وأدير مفتاح الحريم فلا أرى
في الظل غير جماجم الأموات
أين السبايا؟.. أين ما ملكت يدي؟
أين البخور يضوع من حجراتي؟
مأساة هارون الرشيد مريرة
لو تدركين مرارة المأساة
إني كمصباح الطريق صديقي
أبكي ولا أحد يرى دمعاتي..
تعالي يا حبيبتي
لنخرج إلى الحقل ولنبت في القرى!
التفاح يفوح رائحةً عند أبوابنا
وكل النفائس من جديدة وقديمة
ذخّرتها لك يا حبيبتي!!
الجنس كان مسكناً جربته
لم ينه أحزاني ولا أزماتي
والحب أصبح كله متشابهاَ
كتشابه الأوراق في الغابات..
أنا عاجز عن عشق أية نملةٍ أو غيمةٍ..
عن عشق أي حصاة
مارست ألف عبادةٍ وعبادة
فوجدت أفضلها عبادة ذاتي
كل الدروب أمامنا مسدودةٌ
وخلاصنا في الرسم بالكلمات!!.
_ مع الإشارة إلى أنني أسقطت الكثير من الكلمات في القصيدتين، حرصاً على حياء البعض.
وبعد:
يقول العالم الألماني كراوس: (إن في كل إنسان إنسانين، السطحي والعميق، أو إنسان الظاهر وإنسان الباطن. ولا تقل أسرار الإنسان الباطن عن أسرار الإنسان الظاهر إن لم تكن أشد غموضاً وأكثر تعقيداً). ويقول العالم كلود برنار: (لو استطاع الإنسان أن يعرف أسرار الكون كلها، وهذا مستحيل، فإن أسرار الإنسان وحده، هذا المخلوق العجيب، يظل معظمها مغلقاً عليه، وتبقى في نظره أسراراً غامضة تختفي وراء أسوار غامضة)
أما شيخ الصوفية محيي الدين بن عربي فيقول:
دواؤك فيك ولا تشعرُ … وداؤك منك ولا تبصرُ
وتحسب أنك جرمٌ صغيرٌ … وفيك انطوى العالم الأكبرُ
نعم، إن الإنسان يقف في القمة بين المخلوقات، بما يملكه من تركيب جسماني وعقل وحواس وإرادة فعالة. ولقد استطاع، حتى الآن، أن يكتشف الكثير من أسرار الكون، وأسرار جسمه ونفسه، ولكنه ما يزال محاطاً بأسوار عالية عليه أن يجد ويجتهد آلاف السنين لاختراقها والوصول إلى بعض ما وراءها. ومع كل ما يعمله الإنسان ويعلمه ويبدعه ويكتشفه، فإن الكثير من أسرار الجسم والنفس والغرائز والصفات والخلق والتكوين، يبقى في حدود الألغاز والحيرة. الحيرة التي دفعت شاعر المهجر إيليا أبو ماضي أن قال في طلاسمه الشهيرة:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت … ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت … كيف جئت كيف أبصرت طريقي. لست أدري
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود … هل أنا حر طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود … أتمنى أنني أدري ولكن. لست أدري
وطريقي ما طريقي أطويل أم قصير … هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور
أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسير … أم كلانا واقف والدهر يجري. لست أدري
أتراني كلما أصبحت إنساناً سويا … كنت محواً أو محالاً أم تراني كنت شيا
ألهذا اللغزِ حلٌّ أم سيبقى أبديا … لست أدري. ولماذا لست أدري؟ لست أدري
سوف نحاول، فيما سيأتي، أن نمر معاً على بعض أسرار الجسم والنفس من خلال بعض الأمثلة الملفتة، والتي تستحق المراقبة والتأمل والتفكر والتفكير:
ـ يضم الجسم حوالي 5 ليترات من الدم. كل 1ميليمتر مكعب من الدم يحتوي 4إلى 6مليون كرية حمراء، و150.000 إلى 300.000 صفيحة، ومن 7000 إلى 8000 كرية بيضاء. جميع هذه العناصر تشكل 45% من الدم، أما الباقي 55% فتشكل البلازما الدموية.
ـ يضم سطح الجلد حوالي 1مليون شعرة تنمو بمعدل 0.2ملم يوميا، أما عن شعر اللحية فهو ينمو بمعدل 14سم سنويا، ويقوم الرجال بحلق لحاهم في مدة 140يوما من حياتهم.
تضم فروة الرأس من 100.000 إلى 200.000شعرة تنمو بمعدل 0.35ملم يوميا بمعدل 12.8سم سنويا، أما بالنسبة للمرأة التي لا تقص شعرها طول العمر فإن طوله سيصل إلى 10.50متر علما أن المعدل النظري لعمر الشعرة هو فقط 5سنوات، ونحن نفقد يوميا حوالي 80 شعرة.
ـ تشتمل اليدان على 27 عظمة و 19 مجموعة من العضلات لكل منها.
ـ لا يزيد سمك جلد الإنسان عن 2ملم ويحتوي على عدة آلاف من الغدد العرقية, بينما يبلغ سمك جلد الفيل 25 ملم ولا يوجد به غدد عرقية.
ـ يمشي الرجل العادي بمعدل عشرين ألف خطوة يومياً.. أي خلال ثمانين سنة يكون قد طاف حول العالم ست مرات.
ـ تعد الأذن اليسرى أضعف سمعاً من الأذن اليمنى.
ـ يتراوح عدد ساعات النوم عند الإنسان البالغ ما بين سبع وثماني ساعات يومياً, أي أنه يقضي أكثر من ثلث العمر في النوم. فالإنسان الذي يعيش ستين عاما يكون قد نام منها حوالي عشرين عام.
ـ ليس هناك دماغين متشابهين سواء في الشكل أو الحجم أو حتى التركيب، فلا يمكنك أن تقوم بمجرد الإشارة إلى منطقة وتقول هذه هي المنطقة المسئولة عن اللغة. فعلى سبيل المثال يقوم المخ بعملية التفكير وإنشاء الكلمة وفهم هذه الكلمة بطريقة مختلفة من فرد إلى آخر.
ـ من المعروف أن الإنسان مهما فعل لا يستخدم أكثر من 10% من إمكانية عقله، وأن قدرات عقل الإنسان لا نهائية، وأن عقل الإنسان يقوى ويكبر باستخدامه. فالاستخدام لا ينهك العقل ولا يستهلكه، بل ينميه ويزكيه!
ـ يضم الجسم البشري آلاف المليارات من الخلايا، وهي حوالي 200 نوع مختلف، 10% من الخلايا لا تموت، أما البقية فتتجدد باستمرار. حوالي 3 مليار تموت في الدقيقة. طول الخلية حوالي 0.07 ملم. عند وضعها جنبا إلى جنب فإنها تمتد لمسافة 150.000كلم.
أما المخ البشري الذي يزن في المتوسط 1350غرام أي كيلو وثلث، فهو يحتوي على كم هائل من الخلايا العصبية تصل إلى 12 بليون خلية. ولو أردنا صنع عقل مثل العقل البشرى لوجدنا أننا نحتاج إلى مدينة كاملة وكم هائل من الدوائر الإلكترونية والعمل سنوات ولن نحصل أبدا على ما يطابق العقل.
ـ إن خلية السرطان طائشة فوضوية انفصلت عن بقية خلايا الجسم، واتخذت طريقاً جديدة في النمو والتكاثر، ولكن ما الذي فصلها أو دعاها لهذا الانفصال؟! وهل نظرية “أثر الاضطرابات النفسية في إحداث الأورام العصبية” كافية للتفسير؟! وما هو التفسير العلمي لحالات الشفاء المتعددة: هل هو التمسك بالحياة، أم هو عامل الشفاء الطوعي، أم هو الطاقة الحيوية، أم هو المناعة الذاتية.. أم وأم وأم.. لسنا ندري.
ـ وهذا الطفل الرضيع، بمنظره الفاتن البريء، كيف يهتدي لثدي أمه؟ أهو بشكلها في عينيه، أم برائحتها في أنفه، أم بصوتها في أذنيه، أم بملمس جلدها بيديه الصغيرتين الناعمتين. ليس بشيء من هذا كله، لأن الطفل الوليد لا يرى كما نرى ولا يسمع كما نسمع وليست له بعد إرادة ولا إدراك! ومع ذلك فهو يهتدي لثدي أمه، ويبتسم لها فيثير حنانها، فيدر ثدياها الحليب الغزير! فما هو هذا الحنان الملازم لكل أم؟ أهو قوة أم مادة؟ وما هو سره وحقيقته؟… لسنا ندري!
ـ في قاعدة الدماغ غدة صغيرة لا يزيد حجمها عن حجم اللوزة تدعى الغدة النخامية، وهي بمثابة مايسترو فرقة موسيقية مؤلفة من ثلاثين عازف، إذ أن هذه الغدة تفرز نحو ثلاثين من المفرزات المختلفة والتي يختص كل منها بوظيفة هامة يؤديها. (مثلاً: در اللبن في الثديين. تنشيط غدد التوالد في الجنسين. إفراز الغدد الواقعة فوق الكليتين لمادتي الأدرينالين والكورتيزون… وغيرها).. كيف تستطيع هذه االلوزة الصغيرة القيام بكل هذه الأمور الكبيرة دونما خطأ واحد؟ لسنا ندري!
ـ ولا بد من الإشارة إلى أمر، كان وما يزال حتى الآن، مسار جدل واختلاف بين الرجل والمرأة، وهو: أيهما المسؤول عن إنجاب الذكور أو الإناث! ومع أن العلم اليوم أثبت أن الرجل هو المسؤول الأول عن جنس الجنين (بسبب نوع المورثات الموجودة في نطفة الرجل)، إلا أن الكثير من الرجال الذين ابتلوا (والأصح رزقوا) بـ (كومة بنات) ما زالوا يصرون على اتهام زوجاتهم بالمسؤولية عن هذه المصيبة (وهي لعمري ليست بمصيبة بل نعمة وهم لا يدرون). أما هؤلاء النساء (الغلابة) فإنا ننصحهم بحفظ هذين البيتين من الشعر:
ما لأبي الزلفاءِ لا يأتينا ….. غضبانُ أن لم نلدِ البنينا؟!
تالله ما ذلك في أيدينا …. وإنما نعطيه ما يعطينا
ـ يعتقد بعض العلماء أنّ النزعة التخريبيّة عند الإنسان قد تكون غريزة موروثة في جيناته، فلقد لاحظوا أنّ الطفل قادر في سن مبكرة جداً، وتحديداً حوالي الشهر السادس من عمره، على أن يضرب بيده عموداً من القطع البلاستكيّة المصطّفة فوق بعضها البعض. يبدو قادراً على فعل ذلك قبل أن يرى أيّ إنسان آخر يفعله، وتبدو عليه علامات الدهشة والاستمتاع أثناء سقوطها. بينما قدرة هذا الطفل على رصفها فوق بعضها البعض لا يمكن أن تتبلور قبل العام الثالث من عمره، وهي عادة قدرة مكتسبة، يتعلّمها بمراقبة غيره يفعل ذلك.
من خلال هذا السيناريو الطبيعي البيولوجي ـ إن صحّ التعبير ـ يبرز دور التربية بوضوح. الإنسان لا يولد في أحسن تقويم، بل عمليّة تربيته هي التي تلعب دوراً في تقويمه. وقد يكون للطبيعة حكمتها من ذلك، فهي تزوده بغرائز تساعده على البقاء حيّاً في سنوات حياته الأولى ـ من يدري، قد تكون الغريزة التخريبيّة عنده الوسيلة الوحيدة التي تمكّنه من شق الأغشية الجنينيّة التي كانت تغلّفه في رحم أمّه والخروج إلى الحياة؟! ولكن مع تقدّم العمر يزداد دماغه نمواً، وتزداد بالتالي قدرته على اكتساب مهارات جديدة، تقوم تلك المهارات بتهذيب غرائزه، بل بالحلول مكانها في كثير من الأحيان!
ـ في الطب حالة تدعى “العين الكسولة”، يصاب بها الإنسان في طفولته المبكّرة، إذ يقوم الطفل باستخدام إحدى عينيه وإهمال الأخرى. العين التي تُهمل تكون مبدئيّا سليمة من الناحية التشريحيّة والفزيولوجيّة الوظيفيّة، ولكنّها وبسبب عدم استعمالها تتوقف عن إرسال الحسّ البصري إلى الدماغ، فيتوقف هذا الدماغ عن إرساله أوامره بالرؤيّة إليها. مع مرور الأيّام يظنّ الدماغ أنّ العين لم تعد بحاجة إليه، وعند تلك النقطة تنقطع العلاقة تماماً بينهما، فتصاب العين بالعمى الذي لا علاج له.
إذا استطاع الطبيب أن يشخّص الحالة قبل الوصول إلى تلك الدرجة، يقوم بتغطية العين السليمة وإجبار الطفل على استعمال عينه الكسولة، فيستدرك الدماغ على الفور حاجة تلك العين إليه ويستعيد علاقته بها بالكامل رويداً رويداً. التفسير العلمي لتلك الحالة يفسّر الحالات الأخرى التي يتوقّف فيها الإنسان عن التفاعل مع محيطه عبر حواسه وبالتعاون مع دماغه.
ـ إن الدماغ الذي يملكه الإنسان اليوم هو حصيلة سلسلة تطورات طرأت عليه خلال 500 مليون سنة، وهو بشكله الحالي يتألف من ثلاثة أقسام: (أسفل الدماغ ويدعى جذع الدماغ ـ الدماغ المتوسط ـ وأعلى الدماغ الذي يتميز بالقشرة الدماغية).
لم يكن دماغ الإنسان البدائي قبل 500 مليون عام سوى ذلك الجزء الأول (جذع الدماغ)، والذي يشبه إلى حد بعيد دماغ الزواحف (التمساح). وهو مسؤول عن النوم واليقظة وتنظيم درجة حرارة الجسم واستمرار ضربات القلب.
عندما تهددت حياة الإنسان الأولي، وتهدد استمرار وجوده تطور دماغه خلال الثلاثمائة مليون سنة التي تلت ظهوره، وتشكل القسم الثاني (الدماغ المتوسط)، والذي يشبه دماغ الثديات التي هي أقرب الحيوانات إلى الإنسان. هذا القسم مسؤول عن حماية العضوية من الأخطار المحدقة بها. مثلاً: عندما يواجه الإنسان أسداً في غابة، الإرتكاسات التي تحدث في بدنه تدعى باللغة الطبية “اهرب أو قاتل”، وهي تهيأه للقيام إما بالهروب وإما بالمواجهة، ومنها تسرع ضربات القلب، ازدياد عدد مرات التنفس، التعرق، تدفق كميات كبيرة من الدم إلى العضلات كي تتأهب للهرب. الجزء المتوسط من الدماغ مسؤول عن تلك الإرتكسات، وبالتالي ـ كما أشرت سابقاـ مسؤول عن حماية العضوية.
خلال آخر مائتي مليون عام تتطور ذلك الدماغ ليشمل القسم الثالث الذي يتميز بالقشرة الدماغية والتي تغلف الدماغ كله. هذا القسم هو الذي يميّزنا كبشر عن غيرنا من الكائنات، فهو مسؤول عن التفكير.
عندما يمرّ الإنسان في حالة خوف، ينشط الجزء المتوسط من الدماغ ويخمد الجزء العلوي، وذلك كي تتوقف كل فعاليات التفكير وتنشط فقط الفعاليات المسؤولة عن حماية
الحياة، كالهرب أو مقاومة الخطر المهدد للحياة.
أضرب مثلا:
قد تستيقظ في منتصف الليل لتفاجئ بلص داخل بيتك مصوبا مسدسه باتجاهك. في تلك اللحظة تخمد كلّ فعاليات القشرة المخية عندك فتفقد قدرتك على التفكير، وتتسرع ضربات قلبك.. تتعرق.. تتدفق كميات كبيرة من الدم إلى عضلاتك كي تسهل عليك مقاومة اللص أو الهرب من أمامه. هل تستطيع في تلك اللحظة أن تفكر في حل المسألة الحسابية التي حاولت حلها في الليلة السابقة، طبعا لا!
إذن، نفهم مما تقدم بأن حالات الخوف تسقط بالإنسان إلى مستوى الحيوان، لأنها تلغي الجزء العلوي من دماغه، وتنشط الجزء المتوسط والذي هو موجود عند الحيوانات الأخرى، ولا يستطيع أن يعود إلى آدميته إلا بالتخلص من تلك الحالات.
الغضب كالخوف يترك نفس الأثر عند الإنسان، فيسقط به إلى مستوى الحيوان ويلغي فعالية الجزء العلوي من دماغه، ذلك الجزء الذي يميّزه ككائن بشري.
ـ في لغة العلم يختلف الارتكاس عن الفعل. في الحالة الأولى لا يملك الإنسان وقتاً كي يستعمل قشرة دماغه (المراكز العليا في جهازه العصبي) بينما يتلقّى الأمر من نخاعه الشوكي (المراكز الدنيا). عندما زوّدنا الخالق سبحانه بالقدرة على الارتكاس Reflex Action كانت حكمته في ذلك أن نحمي أنفسنا. مثال على ذلك: عندما ترتطم يدك بجسم ساخن، تسحبها بسرعة ودون تفكير. وهذا يعني أنك في تلك الحالة تلقّيت الأمر من نخاعك الشوكي ولم تتلقّاه من دماغك، فكان تصرّفك ارتكاساً وليس فعلاً.
ـ الدماغ البشري مصنوع لغاية سامية، وهي الحفاظ على الحياة. وللدلالة على ذلك نضرب هذين المثلين:
1- عندما يتعرض الإنسان لحادث عنيف ينزف خلاله معظم دمه ولا يبقى لديه مخزون من الدم يكفي لتروية القلب والدماغ، يقوم الدماغ عندئذ بالتوقف عن كل فعالياته كي تقل حاجته للدم فيسمح بضخ ما تبقى منه إلى القلب مركز الحياة. يدخل الإنسان من جرّاء ذلك في حالة غيبوبة، بمعنى أن الدماغ يضحي بـ ” الوعي” من أجل غاية أسمى وهي البقاء على الحياة. الحياة بلا وعي، عند الدماغ، أقدس من الموت بوعي!
2- في سياق معالجة السمنة الناجمة عن الإفراط في الأكل، وعندما يقوم المريض بانقاص كمية الأكل بغية انقاص الوزن، يظن الدماغ للوهلة الأولى بأن إنقاص كمية الطعام سيساهم في تهديد الحياة، فيصدر أوامره للجسم بتخفيض معدل استقلاب الطعام وبالتالي يخفّض معدل حرق الحريرات. ولذلك يشكي هؤلاء المرضى عادة من أنهم لم يخسروا شيئا من وزنهم رغم أنهم قللوا من كمية طعامهم.
ـ أكبر قوة تملكها الطبيعة تتمركز في العقل البشري. والقوة، أيّة قوة، تملك سلاحا ذي حدّين. إذا برمجت باتجاه الخير عمّرت وإذا استخدمت باتجاه الشرّ دمّرت. غريب عجيب مفعول تلك القوة وسحرها عندما تتمّ برمجتها!..
وللدلالة على ذلك، نستعرض معاً هاتين التجربتين الواقعيتين:
* قام عالم نفس في عام 1936، بإجراء تجربة غريبة من نوعها على سجين في الهند كان قد حكم عليه بالإعدام شنقا.
أقنع العالمُ السجينَ بالموافقة على قتله بطريقة أقلّ ألما من الشنق، وذلك عن طريق سحب دمه حتى آخر نقطة فيه، ثمّ مدده على سريره بعد أن قام بتعصيب عينيه وتظاهر بإحداث خدش صغير في ساقه كي يوهمه بأنّه بدأ بسحب دمه. علّق العالم قربة ماء مثقوبة بإحدى قوائم السرير. بدأت القربة المثقوبة بالتنقيط وأخذ العالم يتحكّم بتواتر قطراتها فيخفف من هذا التواتر مع مرور الوقت محاولا إقناع السجين بأنه على وشك أن يخسر دمه كلّه. مات المريض عندما توقفت القربة عن التنقيط علماً بأنه كان بصحة جيدة وبأنّه لم يخسر، في حقيقة الأمر، قطرة دم واحدة.
تدلّ تلك التجربة على الدور الخطير الذي تلعبه الهيمنة على العقل البشري في برمجة هذا العقل وانجازه!. عندما توهمه بأنّ الجسد الذي يحتويه سيموت لا محالة، يقوم هذا العقل بإصدار أوامره إلى الجسد كي يموت، حتّى ولو كان في عزّ صحّته!
* اشتهر عالم النفس الأمريكي John Grinder بقدرته على كسر القوالب الفكرية عندما يقع المريض رهينتها. زار مرّة مصحاً نفسيّا بعد أن سمع عن وجود مريض فيه يصرّ على أنّه المسيح وعلى الناس عبادته. منذ سنين وهو رهين غرفته وفكرته تلك. دخل إلى غرفة المريض وسأله: من أنت؟ فرد المريض: أنا المسيح وعليك أن تعبدني!!. فنظر إليه الطبيب الشاب وهزّ رأسه، ثم خرج من الغرفة بعد أن أوحى للمريض بأنّه عائد. استغرب المريض مغادرة الطبيب للغرفة وبدت عليه علامات الدهشة. عاد الطبيب بعد حوالي خمس دقائق وهو يحمل في يده متراً للقياس، ثم طلب من المريض أن يرفع يديه بمستوى كتفيه. فتساءل المريض: لماذا؟ لم يردّ عليه الطبيب وراح يأخذ قياساته بالطول والعرض يسجلها على قصاصة ورقية. غادر الطبيب الغرفة مرّة أخرى، ثم عاد بعد قليل وبيده خشبتين ومطرقة وعلبة مسامير. وضع الخشبتين على الأرض بشكل متصالب، ثم راح يثبّتهما بالمسامير. صرخ به المريض: ماذا تفعل؟ فنظر إليه الطبيب وسأله: من أنت؟ ردّ المريض: أنا المسيح! فقال الطبيب: إذا كنت المسيح فالمفروض أن تعرف ماذا افعل. عندها صرخ المريض: أرجوك يا بني، أنا فلان الفلاني ولست المسيح.. لست المسيح.. هل تسمعني؟!..
ـ العقائد هي البوصلة التي تقودنا إما إلى النجاة وإما إلى الهلاك.
قوة العقيدة تكمن في قدرتها على التدمير أو البناء. فإن كانت إيجابية وتماشت مع متطلبات الحياة ساهمت في بنائها، وإذا كانت سلبية وتعارضت مع متطلبات الحياة ساهمت في دمارها.
أضرب بعض الأمثلة:
* معظم الناس يؤمنون بأنّ الأدوية تشفي من الامراض، ولكن الدراسات العلمية التي تبحث في علاقة الجهاز المناعي عند الإنسان بالجهاز العصبي والنفسي، قد أكدت بأن النتائج ترتبط ارتباطا وثيقا بمدى إيمان المريض بفاعلية الدواء. فدور ذلك الإيمان لا يقل فعالية عن دور الدواء نفسه:
قام أحد علماء النفس بتجربة على 100 طالب طبّ. أعطى خمسين منهم كبسولات حمراء بعد أن أوهمهم بأنها تحوي منشطا، والخمسين الآخرين كبسولات زرقاء بعد أن أوهمهم بأنها تحوي منوّما. لكنه في حقيقة الأمر وضع المنوم في الكبسولات الحمراء و المنشط في الكبسولات الزرقاء أي عكس ما أوهمهم به.
لقد نتج عن تلك التجربة بأن 50 % من الطلاب حصلوا على النتائج التي تتناسب مع اعتقادهم بما داخل الكبسولات. و50% حصلوا على نتائج تتناسب مع حقيقة التركيب الكيميائي للدواء الموجود فعلا داخل الكبسولات.
بمعنى آخر لعب الاعتقاد نفس الدور الذي لعبته الطبيعة الكيميائية للدواء.
يعلق الدكتور Henry Beecher من جامعة هارفارد على ذلك بقوله: فعالية الدواء لا تتعلق فقط بخصائصه الكيميائية، وإنّما بمدى إيمان المريض بقدرة ذلك الدواء على شفائه.
* في بيئتنا حيث نعيش، هناك اعتقاد راسخ بأن تناول السمك مع اللبن يسبب تسمما معويا قد يؤدي الى الموت. وربما الكثيرون منا عاينوا بأنفسهم هكذا حالات تسمم، قخرجوا بهذه الخلاصة التي تعممت وصارت اعتقادا راسخاً. ولكننا لم نقرأ في أي كتاب طبيّ وجود علاقة بين تناول السمك واللبن. إنّه الإيحاء إذاً.. إنّه قوة الاعتقاد بوجودها!
* في إحدى المباريات في لوس أنجلوس اُصيب عدد من الجمهور واللاعبين بحالات إقياء حاد نُقلوا على أثرها إلى المستشفى.
وفي محاولة سريعة لتحديد السبب، أعلن الاطباء احتمال تلوّث زجاجات العصير التي اشتروها من نفس المصدر. لم يكد الأطباء يعلنون عن ذلك الاحتمال حتى أخذ الناس الذين شربوا العصير يسقطون على الأرض الواحد تلو الآخر، واستمرت سيارات الإسعاف بنقلهم حتى المساء. المهم لم يتطلب الأمر سوى بضع ساعات حتى تأكد الأطباء من خطأ احتمالهم، وبأن العصير لم يكن ملوثا. فور إعلانهم عن خطأهم قام المرضى من فراشهم وغادروا المشفى بدون أيّة حاجة للعلاج. لقد أوحى الأطباء، من حيث لا يدرون، إلى كلّ من شرب من زجاجات العصير بأنهم مرضى فبدأوا يتقيأون.
* إمراة مصابة بـ Spilt personality، أي تعدد الشخصيات ترى دماء الطمث في الشهر بعدد الشخصيات التي تتقمصها خلال ذلك الشهر.
* امرأة أخرى مريضة بالسكري، عندما تعرضت للتنويم المغناطيسي وأقنعوها بأنها غير مريضة انخفض مستوى السكر في دمها.
* أوهموا شخصا بعد تنويمه مغناطيسيا بأنهم سيحرقوه بقضيب ساخن ذي درجة حرارة عالية. مرروا على جسده قضيب مصنوع من الثلج فترك القضيب حرقا على جسده، كما لو أنه فعلا ساخن وذي درجة حرارة عالية.
* سيدة خضعت لعملية جراحية بسيطة، حُقنت خلالها بكمية قليلة من الدواء المخدّر تكفي لتخديرها نصف ساعة وهي المدة اللازمة لإجراء العملية.
تفاجئ الأطباء بأنها لم تفق من غيبوبتها بعد مرور المدة المحددة رغم محاولات عديدة لإنعاشها. دامت غيبوبتها يومين ولم تظهر الفحوصات الطبية أية خلل في صحتها. اضطر الأطباء عندها إلى اللجوء لطبيب نفسي مختص بالتنويم المغناطيسي. أقنع خلالها وبطرقه الخاصة اللاوعي عندها بأنه قد حان الوقت لتستيقظ من غفوتها وأن بإمكانها أن تفعل ذلك، استيقظت السيدة لتبوح للأطباء بسرّ غيبوبتها الطويلة:
أثناء حقنها بالمخدر وقبل أن يأخذ مفعوله سمعت أحد الطبيبين الجراحين يقول للآخر: ماذا تعتقد؟ فردّ الآخر: أعتقد بأنه لن يكتب لها الحياة بعد العمل الجراحي!
في حقيقة الأمر كان الطبيبان يناقشان قناعتهما بخصوص حالة سيدة أخرى ميؤوس من وضعها، فظنت أنهما يتكلمان عنها. صدق اللاوعي القناعة التي دخلته خلسة فتوقف الدماغ عن فعالياته بناء على ما صدقه اللاوعي.
ـ الإنسان مجهز بقدرة على التمييز بين الخطأ والصواب، ومهما اضطربت ملكاته العقلية يفترض أن يتمتع ولو بالحد الأدنى من تلك القدرة. والحادثة التالية تثبت ذلك:
قامت أم أمريكية تعاني من خلل عقلي، بإغراق أطفالها الخمسة في مغطس الحمام، ولكنها على الفور اتصلت بالشرطة وأبلغتهم بجريمتها. إن اتصالها بالشرطة يؤكد أنها تعي بأنها أقدمت على فعل غير صحيح. هي معتلة عقلياً ولكنها تميّز بين الخطأ والصواب، وارتكبت الخطأ تحت ضغط دوافع لا تملك القدرة على السيطرة عليها.
كانت تعاني من هلوسات سمعية تأمرها بقتلهم، فقتلتهم تحت ضغط تلك الهلوسات رغم أنها كانت تعي بأن عملها هذا ليس صحيحا!
ـ لماذا يكذب الإنسان؟
يكذب الإنسان عندما يخاف! والخوف هو السبب الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، الذي يكمن وراء الكذب.
يتراءى للإنسان الضعيف بأن الكذب أسهل من الصدق. فهو يجنّبه مواجهة حقائق يخاف من أن تؤلمه.
قد يكون هذا صحيحا في البداية! ولكن مع الوقت يتحول الكذب إلى سلسلة تقود كل حلقة فيها إلى حلقة أخرى، وتصبح عندها مهمّة الكذاب عندما سيقول شيئا أن يغطي ما قاله سابقاً!.. يؤكّد تلك الحقيقة المثل الإفريقي الذي يقول: على الكذّاب أن يتمتع بذاكرة قويّة!
على العكس من ذلك، يبدو الصدق في البداية صعباً للغاية إذ يواجه صاحبه جملة من الحقائق التي قد يؤلمه قولها. ولكن مع مرور الوقت تسهل المهمة ويبقى قوله للحق تلقائياً، إذ لم يعد لديه شيء يخاف منه كي يخفيه.
ـ عندما يعاني الإنسان من مشكلة ما تسبب له ألماً شديداً في حيّز وعيه، يتدخل اللاوعي عندئذ ويدفعه إلى سلوك ما يخفف عنه حدة ذلك الألم. أضرب مثلا: شخص ما يعاني من ألم شديد سببته له مشكلة ما، يلجأ، ودون وعيه، إلى التهريج والتنكيت كمحاولة لإخفاء هذا الألم… يدعى ذلك التصرف في علم النفس Defense Mechanism آلية دفاع.
يعتبر Rodney Dangerfield (رودني) من أشهر المسرحيين الكوميديين في تاريخ أمريكا. قال مرّة في مقابلة له: جمعت ثروة هائلة جداً من إضحاك الناس، وأنا أعطي تلك الثروة لمن يستطيع أن يضحكني.
ـ بناء على ما يؤكّـده عالــم النفس الأمريكي Stephen R Covey فإن أهم المهارات التي تمكّن إنسان اليوم من مواجهة التحدّيات هي فنّ الحوار، وهو الفن الذي يقوم على أسس أربعة: القراءة، الكتابة، الحديث، والإصغاء. ولكن، يعطي هذا العالم للإصغاء الأهمية الكبرى باعتباره اللبنة التي تقوم عليها الأسس الأخرى، وله في ذلك عبارة شهيرة تقول: “اصغِ إلى المتحدّث وانشد أولاً أن تفهمه قبل أن تقاطعه وتفرض عليه أن يفهمك”
يقول خبراء الحوار، عندما يصغي الإنسان إلى غيره يستمدّ 10 % من فهمه له معتمداً على كلمات الشخص المتحدّث، و30 % معتمداً على نغمة صوته وتواتره، بينما 60 % معتمداً على مراقبة حركاته. لذلك، كي تفهم، عليك أن تصغي مستعملاً دماغك بشقّيه الأيمن والأيسر.
ـ ولن نمر على مجمل أسرار الجسم والحياة دون أن نعرج على الأمور التالية: (الروح ـ النفس والحالة النفسية ـ النظر الثاقب والتخاطر والفراسة.. وغيرها من الأمور)
ـ أما الروح.. فما هي الروح؟
هل هي الدم الذي يجري في العروق، والذي إذا استنفد بالنزيف فارق الإنسان الحياة؛ أو عادت له الحياة قبل مفارقتها إذا أسرعنا بنقل الدم إليه!
أم الروح هي الدماغ، حتى إذا أصابه مكروه شديد مات صاحبه!
وهل هي القلب، إذا توقف عن التقلص والحركة مات الإنسان، وإذا قام الطبيب بتمسيده من الظاهر، أو شق الصدر لتمسيده من الباطن، تعود الحياة للإنسان!
أم أن الروح تكمن في الغدد والأعصاب والأجهزة والخلايا؟
أم هي كل ذلك جميعاً؟
أم هي شيء آخر كان وما زال وسيظل مجهولاً إلى الأبد؟!… لسنا ندري. ولماذا لسنا ندري؟!.. لأنها الروح، والروح (على ما في الكتب) من أمر ربكم وربي!!
ـ أما النفس، فهي عند الفلاسفة والعلماء، مجموع الصفات الفاعلة والمنفعلة والعاقلة، التي تنطوي عليها حياة الإنسان وتطبعه بطابع يتفرد به عن سائر المخلوقات. طابع خاص يُرى في حديثه إذا نطق وتكلم، وفي حركاته إذا مشى وتحرك، وفي سكونه إذا سكن، وفي خُلقه وعلمه وعمله وذوقه وميوله وذكائه وطموحه، وإلى غير ذلك مما يخطر بخاطر أو يمر ببال. والاضطرابات النفسية نوعان: إما بسيطة صغيرة تتجلى بغرابة في الطبع أو شذوذ في الرأي والتفكير. وإما كبيرة تخرج بصاحبها عن الحدود المألوفة في العرف والتقاليد، وتحشره في زمرة المرضى النفسيين.
وبشكل عام، يؤكد العلماء أن أعمال الجسم كافة تسيرها جملة عصبية كبيرة تفرض النظام فرضا بما لها من القوة والسيطرة. ويمتاز في هذه الجملة عصبان كبيرا الشأن: العصب الودي (السمباتي)، والمبهم. إن اتزان الجسم في أداء وظائفه يعود إلى التوازن الرشيد ما بين وظائف هذين العصبين. وإذا اختل هذا التوازن فسرعان ما يختل الجسم ويضطرب.
فالذين يشتد فيهم العصب الودي، هم الأذكياء، كثيرو النشاط والحركة. وهم أصحاب وجوه متوردة، وجلد جاف ونظرات حادة، ئؤلمهم وخزة صغيرة أو رض خفيف، وهم أميل للغيظ والحدة والغضب.
أما الذين يقوى فيهم العصب المبهم فهم أصحاب وجوه خاسفة وعيون صغيرة ونظرات فاترة ندية. طبعهم هادئ جذاب، تحببهم إلى النفس صفات خلقية جميلة، غير أن فيهم نقصاً في القوة والشجاعة والإقدام. تشحب وجوههم أثناء الخوف، وتتضرج بالحمرة أثناء الخجل.
وهناك أشخاص يضطرب التوازن فيهم بين العصبين المذكورين، اضطراباً فوضوياً، فتارة يقوى العصب الودي ويضعف المبهم، أو العكس. ولهذا فهم لا يستقرون على حال، فبينما نراهم والنشاط فيهم على أشده، إذا اليأس المتسرب إلى نفوسهم يعزلهم عن العالم، فلا يرون إلا البؤس والشر والشقاء. وقد يعجب من يراقب هؤلاء الناس لهذا الانقلاب النفساني المفاجئ؛ وقد يصفهم بأنهم أناس مزاجيين. وكثيراً ما نرى أمثال هؤلاء بين معشر الأدباء والخطباء والمهندسين والمحامين والأطباء، وأكثر المشغلين بعقولهم.
أما صاحب المزاج العصبي، فيتصف بوجه مثلثي الشكل، يداه صغيرتان، وأصابعه طويلة ورفيعة، وشعره مجعد خشن، وهو ذو جبهة عالية غالباً، شديد التنبه والانفعال، كثير التهيج والثوران.
يعتقد (بيتر مارش) أستاذ علم النفس بجامعة كامبريدج، أن لكل إنسان مياه إقليمية وحدوداً تماما مثل الدول. إن كل منا يجلس في مركز ثلاث دوائر غير مرئية تحيط به لا نسمح باختراقها إلا لمن نحبهم فقط، وننزعج إذا اقتحم حياتنا أو دوائرنا أشخاص غير مرغوب فيهم. فلو كنت جالساً على شاطئ البحر الخالي من البشر متأملاً غروب الشمس، لماذا تضيق وتتوتر إذا اقترب منك أحد الغرباء وجلس قربك (حتى ولو لم يكلمك)؟!.. وتقول بأنه اقتحم عزلتك!.. الحقيقة أنه اقتحم إحدى دوائرك الثلاث التي تحتفظ بها لأحبابك وأقرب الناس إليك.
الدائرة الأولى تبعد حوالي نصف متر عن جسد الإنسان، أي بامتداد الساعد فقط، وفيها نحتضن من نحب: زوجاً أو أماً أو ابنا أو حبيباً.. الخ.
الدائرة الثانية تبعد عن أجسادنا حوالي متر وربع. وهي دائرة الأصدقاء والزملاء والجيران وكل من نتعامل معهم بشكل غير رسمي. وهي دائرة تسمح لنا بالمصافحة واللمس البعيد والمخاطبة والرؤية الشاملة.
الدائرة الثالثة تبعد عن الجسم حوالي أربعة أمتار، وهي تشمل من يحيطون بنا في حقل صغير، ونتعامل فيها مع الغرباء. وخارج هذه الدوائر يدعى بالمنطقة العامة.
ولو تأملنا الناس في الأماكن العامة (حدائق ـ قطارات ـ باصات النقل) نرى بشكل عملي كي يحول الناس هذه الدوائر الوهمية إلى حدود فعلية أو مياه إقليمية ممنوع على الغرباء اختراقها، من خلال وضع الحقائب أو الملابس أو الصحف بجوارهم يحيطون بها أنفسهم كأنها أسلاك شائكة. نلحظ ذلك عند النساء بشكل خاص.
الكثير من الفلاسفة وعلماء النفس اليوم، يدّعون بأننا، كبشر، لا ننظر لأن لنا أعيناً، وإنما وجدت عيوننا لتكون وسيلة لقوة البصيرة الموجودة في أعماقنا. قوة البصيرة المتأتية عن نشاط ما يسمى بالعقل الباطن. ويستدلون على ذلك مثلاً بما يراه النائم في نومه، فهو يسير ويتكلم ويسمع ويرى بقدرة هذا العقل الباطن!!
إن صفاء النفس، وصحة العقل والدماغ، وطهر القلب والسريرة، تجعل أصحابها ينظرون بعين أصفى وقلب أنقى وعقل أسمى. ولعل هؤلاء هم أصحاب العين المثالية، أو أصحاب النظر الثاقب. إن العلم يقف عاجزاً عن تفسير قدرة هؤلاء الناس على رؤية ما لا يراه غيرهم من أمور وحوادث. ولعل القصة المروية بالتواتر عن الخليفة عمر بن الخطاب أبلغ مثال على ذلك، إذ كيف استطاعت عين عمر أن ترى جيش العدو يميل إلى الجبل، وجعلته ينادي، وهو على المنبر، الجبل الجبل يا سارية!! والمسافة بعيدة بين موقع عمر وموقع الجيش الذي يقوده سارية.
أما توارد الأفكار (أو توارد الخاطر)، فهو أيضاً من الأمور المبهمة وغير المفسرة بشكل كاف. والحوادث في هذا المجال مدهشة ومحيرة أيضاً. والنظرية التي تحاول التفسير تقول: بأن القدرة الكهربائية المتدفقة عن عمل الدماغ تنتشر في أنحاء العالم على نحو ما تنتشر موجات الإذاعة، فيلتقطها دماغ آخر ويتقبلها وينزلها على الرحب والسعة لأنه يؤمن بها ويفكر بمثلها. وكم سمعنا أن اختراعاً عظيماً، أو كشفاً طبياً، أو شعراً أو قولاً أو فكرة ظهرت في وقت واحد، وقد يكون في يوم واحد، في طرفي المعمورة.
وأما الفراسة، فإنها تبدو ضرباً من استيحاء الغيب وكشفه. وهي تقوى بقوة العقل والنفس والحس، وتضعف بضعف هؤلاء جميعاً. وهي قوية في بعض الناس وضعيفة أو معدومة في بعضهم الآخر، وقد تصبح، بشدة الملاحظة وكثرة الممارسة، ملكة غريزية راسخة. فقد يكتشف المعلم تلاميذه من خلال ميولهم واتجاهاتهم، ويستطيع رجال الأمن معرفة السارق أو المجرم من خلال حديثه وإشاراته وحركاته، وتبدو للقاضي شهادة الزور مرتسمة على جبين الشاهد الكاذب. ويقال أن العرب أكثر من اشتهروا بالفراسة.
وبعد…
ما العبقرية والنبوغ، وما الذكاء والدهاء، وما الذوق السليم أو الفاسد، وما الجمال وأسراره، وما الشعر والشاعر، وما سر الابتسامة وسحرها، وما الخوف والطمأنينة، والتفاؤل والتشاؤم، والجبن والشجاعة، والرضا والقناعة، واللذة والألم، والسعادة والهناء؟
تساؤلات وتساؤلات، لا نعرف حقيقتها الغامضة، ولا نلمسها إلا بآثارها.
ولعل أغنى كلمة في المصطلحات الفلسفية، هي كلمة الشعور. فما حقيقة هذا الشعور؟ وكيف يكون التعبير عن الجمال، وما هو الذوق السليم، أفلا يمكن أن يكون الشيء جميلاً بنظر البعض وقبيحاً بنظر البعض الآخر. وهل الجمال هو الحق والخير كما يقول الفلاسفة.
والحب والعاطفة، ماالحب وما العاطفة، وما العشق والهوى والوله، وما الذي يفعله هذا الشعور في أعماق الإنسان، حتى يؤدي في بعضهم إلى الضنى والمرض، أو يرمي بهم في مستشفى المجانين.
إن الإشراق والمرح، والتفاؤل والابتسامة، هي الخيوط المتينة التي تشدنا نحو الحياة الحلوة، بل هي خير دواء لتحمل الصعاب والمشاق. والمستبشرون الباسمون هم خير الناس صحة، وأقدرهم على العمل، وأقربهم إلى النجاح. سئل الكاتب الانكليزي الساخر (برنارشو) عن سر الشيخوخة الفتية، والهرم الذي يضفي على صاحبه المرح والشباب، فابتسم ابتسامته المعهودة وقال: (إنكم تقصدون أن أحدثكم عن نفسي، إن السر يختفي وراء هذه الابتسامة).
أما الإبداع، فما هو الإبداع؟!
الإبداع هو أن تخلق شيئا جديدا ومفيدا. الإبداع هو أن تنظر إلى الأشياء التي ينظر إليها عامة الناس، لكن أن تراها بشكل مختلف.
ليس كل تغيير إبداعا، لكن حكما كل إبداع هو تغيير، فالجديد دوما يعني التغيير، ولا إبداع مالم تأتي بشيء جديد.
لو مسك الواحد منّا باقة من الزهر وأراد أن يضعها داخل مزهرية من الكريستال، سيقوم بطريقة اوتوماتيكية آلية بوضع السيقان داخل المزهرية كي تتشرب الماء، والأزهار خارجها، لكن أحد الفنانين الفرنسيين المبدعين قرر أن يسبح عكس التيار. ملئ المزهرية بالماء ثم صفّ الأزهار بطريقة غريبة، وضع الأزهار داخل الماء والسيقان نحو الأعلى!
الطريقة بسيطة ولكن الفكرة ساحرة، وهي حكما نتيجة حتمية لعقل بشري تحرر من كلّ قيوده واستطاع أن يتجاوز كلّ برمجاته.
على حدّ قول المفكر المصري توفيق الحكيم: لو بقي الإنسان طفلا لأصبح شاعرا.
كما ويقول بيكاسو: كلّ انسان يُولد رساما ولكنّ طريقة التربية تسلب بعض الناس مواهبهم.
لم يُبدع إنسان في تاريخ البشرية إلاّ في سياق بحثه عن الحقيقة.
الألغاز هي التي تمنح حياتنا متعتها، وهي التي تجلعنا في رحلة بحث دائم عن أسرارها.
الله هو أكبر الألغاز، وكل إبداع بشري قد تمّ ـ بشكل مباشر أو غير مباشرـ في سياق البحث عن سرّ ذلك اللغز.
عندما تكشف سرّ أي لغز يفقد ذلك اللغز عظمته، ولذلك يجب أن يبقى الله لغزا فعظمته تكمن في كونه لغزا.
قد تبحث عن سرّ للغز ما، وفي سياق البحث تكتشف أسرار ألغاز أخرى لم يكن الكشف عنها على جدول بحثك. أو ربّما تكتشف سرّ اللغز الذي تبحث عنه ولكن قد يقودك اكتشاف سرّه إلى ألغاز أخرى، وهكذا دوالييك.
كلّ لغز يقودك إلى لغز آخر، ويجب أن يبقى الله آخر الألغاز كي نظل في رحلة بحث عن الأسرار، وكي نظل قادرين على الإبداع في سياق تلك الرحلة!
أما الشفقة، فما هي الشفقة؟!
يعتقد الكثير من علماء النفس والمهتمين بدراسة السلوك البشري بأن صفة “الشفقة” هي من الصفات الإنسانية الإيجابيّة الأكثر مساهمة في استمرار الجنس البشري والحفاظ على جودته. ولولا قدرة الإنسان على التحلّي بتلك الصفة لانقرض جنسه منذ بداية تكوينه.
تقابل كلمة “شفقة” باللغة اللاتينية عبارة “أن تتألم مع”.
القدرة على الإحساس بآلام الناس ميّزة إيجابية تدفعك لأن تتألم معهم، وبالتالي لأن تحاول أن تخفف من آلامهم. تتجسد تلك القدرة في أعلى مراتبها عندما يشهد الإنسان عذابات غيره أمام عينيه. فلو قيل لك على سبيل المثال، هناك رجل في إحدى مستشفيات لندن يتألم بسبب ضربة سكين نالها من لص في صدره، لن تحس بآلامه كما لو أنك تقف بجانبه. تلك حقيقة تقودنا إلى الافتراض بأن معشر الأطباء هم الأكثر قدرة على الإحساس بآلام الناس وبالتالي الأكثر رغبة للتخفيف منها، ناهيك عن أن التخفيف من آلام الآخرين هو بحد ذاته المهنة التي اختاروها لأنفسهم.
Kit Sawyer (كيت سيوير) امرأة أمريكيّة مختصّة في العلاج الفيزيائي، سافرت في أعقاب أحداث أيلول من كليفلاند حيث تعيش إلى نيويورك كي تطّلع على الأمر عن كثب.
هالها ما شهدت، فقررت أن تفعل ما بوسعها للتخفيف من آلام الناس. بدأت بإجراء مساجات يومية للعمال ورجال الإسعاف والبوليس الذين يشتغلون في عمليات رفع الأنقاض ولأهالي القتلى والمفقودين. وكانت كلما أحسّت بإنهاك جسدي تترك عملها، كمتبرعة بوقتها، وتعود إلى مكان إقامتها في كليفلاند. هناك كان زملاؤها المختصون في نفس المجال يقومون بإجراء مساجات لها فتشحن بطاقة جديدة، تعود بعدها إلى نيويورك كي تمارس عملها الإنساني، وهكذا دواليك لمدة عامين.
تقول السيدة سيوير: الحياة أخذ وعطاء، والإحساس بالشفقة هو الذي يحافظ على دوران تلك الحلقة.
التمارين التي يقوم بها البوذيون، تركّز على بؤرة واحدة وهي الشفقة، أي الإحساس بآلام الآخرين. لديهم قناعات بأنه وعندما يكون الإنسان قادرا على أن يحس بآلام غيره سيفعل ما بإمكانه للتخفيف من تلك الآلام وأيضا لتجنب حدوثها، وبالتالي سيكون الكون أكثر أمنا وسلاما.
عام 1992 وافق الرهبان البوذيون الذين يمارسون طقوسهم تلك في معابدهم على هضاب جبال الهيميلايا، وافقوا على أن يقوم فريق من علماء النفس والسلوك الأمريكيين بإجراء دراسات عليهم. اختار العالم Richard Davidson من هؤلاء الرهبان 18 شخصا مضى عليهم في معابدهم من 10 – 40 عاما. وبعد يوم كامل وهم غارقون في عبادتهم يفكرون بالشفقة على أبناء جنسهم، قام هذا العالم باستخدام نوعين من التصوير الطبقي (PET scan & MRI) لدراسة أدمغتهم. وبمقارنة المخططات الدماغيّة التي عثر عليها مع مخططات أخرى لأدمغة عشرين من طلابه، لاحظ بأن هؤلاء الرهبان يمتلكون تخطيطا فريدا من نوعه. في الدماغ وفي القشرة ما حول الفص الجبهي هناك منطقتان، اليسرى مسؤولة عن العواطف الإيجابية كالفرح والمتعة والشفقة والحب، واليمنى وهي المسؤولة عن العواطف السلبية كالكره والغضب والإشمئزاز والحزن.
عند هؤلاء الرهبان وخلال طقوس عبادتهم، يُظهر التخطيط الدماغي المنطقة اليسرى المسؤولة عن العواطف الإيجابية مضاءة، وضوؤها يعكس نشاطها الزائد، بينما يُظهر المنطقة اليمنى المسؤولة عن العواطف السلبية معتمة مما يدلّ على غياب النشاط فيها.
فتوصلوا إلى قناعة بأن الطريقة التي نفكر بها والأمور التي نرّكز عليها تبرمج أدمغتنا لتصبح مع الزمن مسؤولة عن طريقة تصرفنا، وبالتالي عن حياتنا بصورة عامة.
يقول الراهب البوذي المعروف عالميا Dalai Lama : الغاية الوحيدة للدين هو أن يعلّم الإنسان كيف يحب ويشفق على أخيه الإنسان.
أما الحنين، فما هو الحنين؟!
يعد الحنين نوعاً من التحسس (أليرجيا)، ويعده بعضهم مظهراً من مظاهر مرض جسمي أو نفسي، وهو داء من الشرق.
وإن الغربيين ليعجبون من شدة تعلقنا بالأهل والأصدقاء والأحباب، حينما يسافر أحدنا أو يغيب، فلا نوفر الدموع والعواطف، نسكبها مدراراً ممزوجة بالحرقة والأسى. وقد يقضي بعض الوالهين أياماً لا يأكلون ولا يشربون، لا يتحدثون ولا يبتسمون، وهذه العاطفة المسرفة في الإغراق أشد كثيراً عند سكان الشرق، ومنهم نحن.
وإذا كان بعض أصحاب هذه العاطفة، قد يستطيعون الانسجام معها، فلا تشيع في أجسامهم بلبلة ولا اضطراباً، فإن الإسراف في الشوق والحنين، والمبالغة في اللوعة والوجد، كثيراً ما تؤدي إلى المرض والنحول.
ولنقرأ معاً هذه المقاطع القصيرة من رسائل المهاجرين السقالبة الأوائل، الذين هاجروا إلى القارة الأمريكية (وهي، بالمناسبة، مقتبسة من كتاب، السقيلبية تاريخ وذاكرة، لكاتبه الأستاذ أديب قوندراق):
كتب مغترب سقيلباوي رسالة إلى ذويه يقول فيها:
(نعيش في بلاد لا نعرف فيها إلا مرارة العيش، ولو بقينا في ديارنا نأكل الخبز اليابس لكان أفضل من العيش هنا.
أختي العزيزة: أريد منك أن ترسلي لي في المكتوب بضعة حبات من الذرة البيضاء كي أزرعها عندنا. مشتاق إليكم، ولكن الله كتب علي الفراق وعدم المشاهدة واللقاء).
وفي رسالة مغترب آخر نقرأ:
(كم أتمنى أن أصير حمامةً لأطير قاطعاً المسافات البعيدة لأحط فوق قريتي، وكم تمنيت أن أشاهدكم، ولكن حظي فارقني، وعيشتي تعيسة، وحياتي وصلت إلى حد الانتهاء؛ ولن نلتقي)
لقد أشعل الحنين ناره في أكباد المغتربين على الطرف الآخر من الأوقيانوس، وانفجرت في النفوس براكين الشوق، ولم يكن المهاجر يملك من المال أو الإرادة ما يمكنه من العودة، فانكفأ على ذاته وراح يتضرع إلى المولى بصوت مبحوح تخنقه العبرات، رافعاً يديه صوب الإله يرجوه بقوله:
سألتك ربي اثنين، مالاً وعودةً …. إلى وطن أصبو إليه كثيرا
فإن كنتَ ما قدّرتَ لي غير واحدٍ …. سألتك ربي أن أظل فقيرا
أو ربما أفصح المغترب عن قراره الأخير الذي لا رجعة عنه، بقوله:
أنا عائدُ لأموت في بلدي …. فخذي إذا جد السرى بيدي
حسبي رجاءٌ أن أبيت غداً …. في قريتي، وأموتَ بعد غدِ
وليس يختلف إثنان في نبل الغاية وشرف المقصد، حينما ينطلق الحنين إلى الوطن والأهل والأحبة، في شعر مؤثر رقيق أو نثر بديع، تتراقص بين يديه كل المعاني السامية.
لنقرأ معاً هذا المقطع الأدبي الرفيع، وهو رسالة من أبٍ مغترب إلى ابنته ماري، وقد تقمص دور الأب أديب من بلدي (د. مرهج نعمة):
(موطني أنا يا ماري في سوريا، ضيعةٌ اسمها السقيلبية:
ضيعةٌ، في الشرق منها وما يحيط، من مطلع الشمس عليها، تنبسط الأرض البعلُ الخصيبُ بين حدب والتواء هادئين وروابي حانيات. هنا حقول القمح وشمائل السنابل وكروم العنب والزيتون، والصباحاتُ النديّةُ والينابيعُ العِذابُ والصَبا والابتسام، وهنا المساءُ البدرُ والقمرُ المسافرُ والسماءُ النجمُ بل ليل التأمّلِ والبُدور. وهنا تغيبُ الشمس قبل أوانها وتكتحلُ العين بالأصيل الدامي بُعَيدَ الغروب.
ما زال يا ماري لطفولتي في ضيعتي أثر عميق في نفسي. ومازالت طفولتي مرسومةً على قلبي كأيقونةٍ عزيزةٍ منقوش عليها البيتُ وكلّ ركن فيه، الأسرة وطقوس العيد، الشموع وصوت الناقوس، الحارةُ ومدرسة الضيعةِ وجيل الأصدقاء، المُعلِّمُ الجليل والعصا، الشجر وأعشاش الطير والنبع والساقية، الكرمةُ والحقل والتلال والجبل البعيد وشهابُ النجم والقمر وكلّ ما يأسر البصر البريء والقلب الطريّ في الأفق المحيط.
هذا عالم طفولتي يا ماري، وهذا موطني الصغير الذي حملته في صدري طيلة عمري. أودعت فيه حين هجرت أختاً صغيرةً كانت في السادسة، اسمها سارة، عمّتكِ، أعتقد أنها ما تزال على قيد الحياة، وأعتقد أن هناك أناساً عديدين ما يزالون يتذكرونني… وأودعتُ باسمك يا عزيزتي جزأً من مُدخراتي يكفي لنقل جثماني إلى موطني، فأرجو أن تفعلي حين أموت)
… ولكن، ما طبيعة هذا الحنين؟ وأين يقع مقر الحاسة التي تبعث به وتغذيه؟!…
إنّ أحداً لا يستطيع أن يدلنا على ذلك!
هذا هو الإنسان.. إنسان اليوم.. بحرٌ من الألغاز والأسرار والأسوار.
الإنسان عقل وجسد. العقل هو موقع القيادة، وسلوك الجسد يعتمد اعتمادا كليّا على أوامر تلك القيادة. الأوامر تأتي على شكل أفكار. والسلوك، كردة فعل لتلك الأوامر، هو حركة فيزيائية. الأفكار طاقة. عندما يرسل العقل تلك الطاقة باتجاه الجسد تحركه باتجاه وضع جديد. تستقر الفكرة أية فكرة في أعماق العقل، وتبدأ من هناك بتحريك الجسد وفقا لحجم ونوع وسرعة واتجاه طاقتها الموجهة إليه. العبرة تكمن في تحويل طاقة العقل إلى فعل ايجابي.. والمأساة كل المأساة تكمن في تجاهل تلك الطاقة!!..
تحويل طاقة العقل إلى فعل إيجابي، يمكن الاستدلال عليها بمثال عالم الرياضيات الإغريقي الشهير أرخميدس، الذي عاش ومات قبل الميلاد بحوالي 200عام:
طلب منه الملك في ذلك الحين أن يتأكد من أن تاجه مصنوع من الذهب الخالص وليس مشوباً بالفضة. فكّر كثيراً أرخميدس فلم يتوصّل إلى تلك المعرفة. فجأة وذات يوم كان يستحمّ عارياً فلاحظ كيف يدفش أي جسم يقع في المغطس الماء إلى الأعلى، وهنا أتته الفكرة. لم ينتظر حتى يرتدي ثيابه كي يحتفل بالنصر لإبداعه تلك الفكرة، فراح يركض عارياً في شوارع مدينته وهو يصيح: يوريكا.. يوريكا، أي وجدتها.. وجدتها.
من خلال تلك الفكرة فتح باباً عريضاً للعقل البشري مازال مفتوحا في كل ميادين العلوم حتى الآن. لقد توصل إلى مفهوم الوزن والكتلة والكثافة والعلاقة بينهم، وقال مرّة عبارته المشهورة: أعطني رافعة ونقطة أستطيع أن أثبّتها بها، وسأزيح لكم الأرض.
لقد احتفل أرخميدس بإبداعه قبل أن يتسنى له أن يلبس ثيابه، وهذا أبسط حقّ من حقوقه!
ومات فداء لحقه في أن يعتزّ بنفسه. كان ذلك عندما اقتحم الرومان مدينته فتقدم منه جندي روماني وقال له: اتبعني! فردّ أرخميدس بعزّة نفس: إيّاك أن تقترب من كياني! وهنا ناوله الجندي طعنة أودت بحياته.
أما تجاهل طاقة العقل، فيمكن الاستدلال عليها بمثال حادثة الرجل الغريق:
تروي طرفة ذات مدلول فلسفي جميل بأن رجلاً أشرف على الغرق، فابتهل إلى الله متوسلاً: أرجوك يا رب أن تنقذني!.. وجاءه صوت من السماء: لا تقلق يا بني سأنقذك!
مرّ على الفور قارب نجاة فألقى له بحبل لكنّ الغريق رفض أن يتعلّق بالحبل. حامت طائرة هليكوبتر فوق رأسه وألقت له بسلّم كي يتسلّق عليه، فرفض ذلك مصراً أن الله سينقذه!.. مات صاحبنا غرقاً وانتقل إلى الله يوم الحساب فخاطب الربّ معاتباً: يا رب وعدتني أن تنقذني ولم تفِ بوعدك!.. أجابه الرب:
ـ يا بني.. أرسلت لك قارب نجاة وطائرة إنقاذ ورفضت أن تمدّ يدك، هل تريدني أن أنزل بنفسي إليك؟!!
ذاك هو عقلنا العظيم. عقلنا الذي لا نستخدم منه أكثر من 10% من إمكانياته، فهل سيقدر لنا يوماً أن نستخدم الـ 90% الباقية؟!…
لقد توجهت بهذا السؤال، وغيره، إلى فنان مرموق متعدد المواهب من بلدي. فنان أبدع في الرسم والتصوير والأدب والشعر، فماذا قال: (غيث العبد الله)
س: هل كنت تتمنى أن يعمل الدماغ البشري بكل طاقته؟
ج: يا ريت، ولكن بأدنى نسبة من الشر.
س: من هو الحيوان المفترس؟
ج: الإنسان أحياناً.
س: من هو الفنان المتعدد المواهب؟
ج: المجنون!
وأنا، من خلال معرفتي بهذا الصديق الفنان المتعدد المواهب، أكاد أجزم بأنه… عاقلٌ من أعقل العقلاء!!
* * *
ماهر سلوم
السقيلبية ـ كانون أول 2008
المصادر:
إضافة إلى الثقافة العامة، والمعلومات الطبية المتأتية من دراسة وممارسة الصيدلة، والمعلومات المخزنة في الذاكرة وعلى الورق، لا بد من التنويه إلى المصادر الرئيسة التالية:
ـ الدكتور عزّة مريدن عميد كلية الطب بدمشق سابقاً، وكتابه: دراسات وتأملات في العلم والطب والحياة
ـ علم النفس التحليلي (مقرر دراسي)
ـ أسرار النفس والحياة
ـ المجلة الصيدلية السورية
ـ مجلة طبيبك
ـ مقالات طبية منشورة على الانترنت، ومترجمة عن أصولها الأجنبية.
ـ ومصادر أخرى ينوه عنها في حينه.







اكتب تعليق