• 22أكتوبر

    عن العلمانية: حلمنا الذي لم ينتهي!!

    في بحثنا عن العلمانية لم نفاجئ، وربما أحدٌ منكم لن يفاجئ، عندما تأكدنا بأن هذا المفهوم أو المصطلح، مثله مثلُ أكثرية المفاهيم الأخرى، وافد علينا وعلى ثقافتنا! وهو ليس بابتكار عربي صرف. لكن هذه التهمة المسبقة، والتي يروج لها البعض، وبخاصة الدينيين الأصوليين ومن لف لفهم، لم تمنعنا من الاعتقاد بأن الحلم: بدولة علمانية حديثة، وبنظام حكم علماني، وبثقافة جماهيرية علمانية هو حلم واقعي قابلِ للتحقيق عندنا، وإن كنا بدأنا نلحظ، ومنذ سنوات خلت، مشاهد ايجابية له.

    ماذا تعني العلمانية كمصطلح لغوي مترجم؟

    العلمانية كلمة معربة عن الأصل اللاتيني SECULARISM وتعني الدنيا أو الدنيوية أو الواقعية.. الحقائق.. اللاغيبية. إذا هي في الأصل ليست مشتقة من “العلم” ـ كما يعتقد البعض خطأ ـ بل من “العالَم”، وإن كانت صفات “العلمية” أو “العقلانية”: أي إعمال العقل والإعتماد على العلوم الحديثة في تفسير الظواهر وابتداع نظم الادارة والحكم والمحاكمة .. الخ هي من أهم ما يتصف به الإنسان العلماني.

    إذا العلماني هو: الدنيوي.. المتعامل مع الواقع.. الغير متمسك بالغيبيات كمنهاج عمل يومي.. هو لا دينيٌّ ولكنه ليس بملحد!

    والعلمانية استعملت في البداية للإشارة إلى الدولة اللادينية (أي الغير محكومة برموز دينية). دولة تعتمد قانونا ودستورا دنيويا ومتغيرا حسب الحاجة والتطور، وليس مستمدا من شرائع سماوية ثابتة لا تتغير.

    والعلمانية، كما يقول خليل صارم، هي حركة اجتماعية تهدف إلى دفع الناس للاهتمام بشؤون واقعهم (الدنيوية). وهذه الحركة جاءت رداً على انصراف الناس إلى شؤون الآخرة والتي قسرهم عليها رجال الدين لإلهائهم عن واقعهم المظلم والظالم الذي مارسه بحقهم حكام القرون الوسطى ورجال الدين الأمر الذي منع تطور المجتمع الذي اتجه إلى الاتكالية. والواقع يؤكد أن العلمانية هي حركة تاريخية حملت الأفراد داخل المجتمع الغربي من المجتمع (الثيوقراطي) الديني المتزمت إلى الحالة العلمية (المدنية الأرضية) وفي هذا السياق لم يعد الإنسان مجبراً على تنظيم أفكاره وأعماله وفق معايير غيبية فرضت عليه مسبقاً ووضعها رجال الدين لصالح السلطة وربطوها بالدين على أنها إرادات إلهية, بل أنه يجد مبادئ ومقاييس وجوده وعلاقاته في ذاته لا خارجها, على اعتبار أن المنطلقات الماورائية تنفي حس المسؤولية لدى الكائن البشري. (وتحوله إلى كائن اتكالي).

    إن إزاحة سيطرة المؤسسات الدينية على سياسات الدولة الداخلية والخارجية، وبخاصة في المجتمعات ذات الطابع الطائفي و الأثني المتعدد (سورية مثلا) وبغض النظر عن حجم هذه الطائفة أو تلك، لا تعني إطلاقا التأسيس لمجتمع ملحد كافر.

    إن التدين في ظل نظام الدولة العلمانية الحديثة حرية شخصية مكفولة بالقانون (قانون مدني حضاري ديمقراطي يضمن حرية الاعتقاد للجميع دون تفضيل لمعتقد على آخر).

    إن تحرير مناخ التعلم والتعليم والاكتشاف والإبداع من سطوة الفقه الديني المتزمت من شأنه أن يخلق بيئة ملائمة للعلم، تمكنه أن يقفز قفزات واسعة وتحرره من سطوة العقلية الدينية المكفرة لكل ما يمت للتطور العلمي بصلة (كما كان يحصل في أوروبا القرون الوسطى من محاكمة وتقتيل للعلماء والمبدعين واتهامهم بالسحر والإلحاد والكفر، وكما يحصل اليوم أيضا، وإن بنسبة أقل، في مجتمعاتنا المشرقية).

    نستطيع أن نقول بثقة أن تطور المجتمعات الغربية بشكل متسارع منذ أواخر الثورة الفرنسية وحتى الآن يعود في قسم كبير منه إلى تبني الدول للعلمانية وتحررها من تحالف مشوه مع السلطة الدينية التي كانت تحكم باسم الله.. وتحاكم باسم الله.. وتشرع باسم الله (الله كما تفهمه هي والمتوافق مع مصالحها الضيقة وليس مع مصالح الإنسان مطلق إنسان).

    لماذا نجحت العلمانية وفرضت نفسها، رغم أن عمر السيطرة الكنسية قبل العلمانية، يقترب من ألف عام؟ كيف تمكن العقل الغربي من تدمير بنية الفكر الديني واستبعاده من الحياة وحصره في الجانب الشخصي للفرد؟ كيف انتصرت العقلانية على الغيبية الدينية في الغرب؟ وهل تشكل العلمانية الجزئية جانبا من حياة الدولة المسلمة أم لا؟

    عن هذه الأسئلة يجيب الدكتور أحمد بغدادي فيقول: لقد عجز الفكر الديني المسيحي عن تطوير الحياة طوال ألف عام، فما كان من الإنسان الغربي إلا البحث عن حل، فوجده في العقل، والطريف في الأمر أن الإنسان الغربي وجد العقل في كتابات المفكر ابن رشد الذي حاربت الكنيسة دعوته للعقل، وفشلت رغم إحراقها الكتب وكتابها!! أليس غريبا أن فكر هذا المفكر المسلم لا قيمة له عند أهل المشرق والمغرب؟!.. ففي عام 580 هجري، ثار الفقهاء على تعاليم ابن رشد واتهموه بالزندقة فحوكم ونفي وأحرقت كتبه الفلسفية! ومنذ تلك اللحظة الفاصلة في تاريخ البشرية، أي منذ القرن الخامس عشر الميلادي، والغرب ينطلق تاركا الجميع وراءه محتارا كيف يلحق به. فالعقل العلماني هو الذي جعل الإنسان محور الكون، وسعى إلى الخلود الدنيوي لإثبات ذاته، وحقق هذا الأمر بالعمل الجاد المادي، فحارب الفقر وأنقذ البشرية من الجوع والأمراض والفقر، واخترع المنجزات التقنية من تلفاز وتلفون وراديو وأشعة ومضادات حيوية وأمصال طبية أنقذت ملايين الأطفال من الأمراض مثل شلل الأطفال والجدري والحصبة والسكري وغيرها.

    لهذه الأسباب مجتمعة لا يمكن الاستغناء عن العلمانية سواء بصورتها الجزئية كما يحدث في بلاد المسلمين، أم بصورة كلية كما يحدث في الغرب وكثير من البلدان الأخرى، مهما جاءنا منها من شر يتمثل في الحريات المدنية المتطرفة المخالفة للفطرة الإنسانية. فالعلمانية الجزئية في الدولة المسلمة أصبحت حقيقة واقعية لا يمكن إنكارها ونلحظها من خلال التعليم المدني والقوانين الوضعية والبرلمان والدستور والديمقراطية والتعليم الجامعي، والنظام الرأسمالي في الاقتصاد والبنوك والاستهلاك الاستقراضي، بل إن البنوك الإسلامية لا تستطيع أن تعمل من دون الارتباط بالبنوك الرأسمالية العالمية. والمشكلة هي في العقلية المزدوجة التي تولدت في المجتمعات الإسلامية؛ العقلية المترنحة بين الهوية العلمانية والهوية الدينية حيث ضاع ويضيع كثير من الناس. ومثل هذه الازدواجية لا تجدها في الدول العلمانية الواضحة كل الوضوح في عملية الفصل بين الدين والدولة، لذلك ليس غريبا أن تجد التطور التقني..التطور الطبي.. التطور الفكري.. التطور التعليمي.. التطور الفني.. التطور في حقوق

    الإنسان.. التطور الاقتصادي.. التطور العلمي… كل ذلك لا يحصل إلا في الدول العلمانية، بل إن معظم الحاصلين على جوائز نوبل وفي كل المجالات هم من العلمانيين. ويزيد الطين بلة أن المتدينين يتراكضون للدول العلمانية حين يصابون بالمرض، أو حين يرغبون في تعليم أبنائهم!

    بكل إنصاف، لولا العلمانيون لهلك أهل الأرض مرضا وجوعا وفقرا. ومما يجب أن يستقر في العقل أن العلمانية لا تحارب الأديان، بل هي الوحيدة التي توفر لمخالفيها الحرية الدينية، والمقارنة بين عدد المساجد في الغرب وعدد الكنائس في البلاد المسلمة تثبت هذه الحقيقة. والساعون للهجرة إلى الدول العلمانية أكثر بكثير من الساعين للهجرة إلى الدول غير العلمانية. ويترتب على هذه الحقائق أن محاربة العلمانية عبث لا طائل من ورائه. والأمانة تقتضي من محاربي العلمانية التجرد من العلمانية الجزئية التي يعيشونها في بلادهم، بالهجرة إلى الصحراء والعيش بعيدا عن العلمانية، ليتأكدوا بان الفناء سيكون مصيرهم!!.

    نظرة تاريخية مبسطة:

    من المعروف أن نشأة العلمانية في الغرب ارتبطت بحاجة المصلحين هناك ـ وخاصة في عصر النهضة ـ إلى تحرير مجتمعاتهم من القيود التي فرضتها الكنيسة عليها. لقد كانت هناك مبررات فكرية وسيكولوجية وتاريخية لثورة رواد الإصلاح في الغرب على المؤسسة الدينية، ثورة استهدفت تحرير الإنسان وتنمية المجتمع. يمكن بعبارة أخرى القول بأن المسيحية مسؤولة عن نشأة ونجاح العلمنة في الحالة الغربية، وذلك لأنها تعترف بتقسيم الحياة إلى ما يخص الله وما يخص قيصر، ولأنها تفتقد إلى نظام تشريعي ينظم شؤون الحياة الدنيا، ولأنها ارتبطت لعصور متتابعة بأنظمة الحكم الاستبدادية وبالثيوقراطيات الظالمة. يضاف إلى ذلك أن المسيحية في أوروبا كانت تقوم على الإيمان بوجود طبقة من الناس (القساوسة) ممن يدعون تمثيل الله في الأرض، ويحتكرون تفسير كلماته، ويستغلون نفوذهم الديني لتجريد من يريدون من العامة من حقوقهم الإنسانية الأساسية. بمعنى آخر، كانت المؤسسة الكنسية المسيحية تشكل عقبة كؤود في طريق التقدم والتنمية.

    أما في العالم العربي فقد دخله الفكر العلماني مطلع القرن التاسع عشر وبعيد غزو نابليون لمصر عام 1798. في تلك الأثناء، كان هناك من المفكرين من ينظر إلى أوروبا على أنها قوة مستعمرة طامعة لا يؤمن جانبها ولا يرجى منها خير، بينما كان هناك منهم من اعتبرها منارة ومصدر إلهام لمن أراد التقدم والنجاح.

    تركز الجدل الفكري في تلك الفترة حول العلاقة بين الدين والدولة وحول وسائل تحقيق تقدم وتنمية كاللذين تمكنت أوروبا من إنجازهما. ولعل هذا هو السبب الذي من أجله ترجمت كلمة “سيكيولاريزم” إلى علمانية (بكسر العين) نسبة إلى العلم، وذلك أنها لو ترجمت إلى مرادفة عربية تحمل نفس ما تحمله كلمة “سيكيولاريزم” من معنى ـ مثل كلمة “دنيوية” أو “دهرية” لقوبلت منذ البداية برفض تام من قبل المسلمين. إذن، كان المهم أن تترجم الكلمة إلى مرادفة ذات علاقة بالعلم والتقدم.

    ظهر بين مصلحي تلك الفترة اتجاهان، واحد إسلامي وآخر مسيحي.

    اعتقد زعماء الاتجاه الإسلامي بضرورة السعي لتحقيق التحديث والتقدم ولكن دون التخلي عن منجزات الحضارة الإسلامية. وكان هدف هذا الاتجاه إيجاد نهضة إسلامية كفيلة بتخليص العرب من حالة التخلف وحمايتهم، في نفس الوقت، من أخطار الحملة الاستعمارية الأوروبية.

    أما الاتجاه المسيحي فتشكل من مجموعة من المسيحيين العرب الذين كان بعضهم قد تلقى تعليمه في الكلية البروتستانتية السورية ثم هاجر من بعد إلى مصر واستقر بها. وقد عمل هؤلاء على نشر كتابات ومقالات وأفكار تدفع باتجاه تغليب الهوية القومية على الهوية الدينية والدعوة إلى ضرورة أن يقدم حب الوطن وأبناء الوطن على ما سوى ذلك من الروابط الاجتماعية بما في ذلك رابطة العقيدة. كان هدف هؤلاء المفكرين هو تحديد مواصفات دولة علمانية يمكن أن يشارك فيها المسلمون والمسيحيون على قدم من المساواة التامة.

    من رموز الاتجاه الإسلامي نذكر: رفاعة الطهطاوي وهو خريج الأزهر الشريف. وقد كان يرى أن الحضارة دورات وأطوار، وأن العلوم الغربية كانت بالأساس إسلامية عندما كنا نعيش عصر نهضتنا، فأخذتها عنا أوروبا وطورتها، وواجبنا الآن أن نتتلمذ عليهم كما تتلمذوا على أسلافنا.

    ونذكر أيضاً: جمال الدين الأفغاني، خير الدين التونسي، عبد الرحمن الكواكبي، محمد عبده، وعبد الحميد بن باديس.

    ومن الرواد المسيحيين نذكر: شبلي شميل، فرح أنطون، جورجي زيدان، يعقوب صوروف، سلامة موسى، ونيكولا حداد.

    تركيا المسلمة: علمانية عصرية ومثال حي للتأمل والتفكر.

    بدأت العلمانية في تركيا عام 1923 عندما أسس الجنرال التركي السابق مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية التركية الحديثة فاصلاً بين مؤسسات الدولة والدين الإسلامي كونه الدين الرسمي الوحيد للدولة في ذلك الحين. وكانت خطوة أتاتورك جبارة، لأنها جاءت بعد حل الخلافة العثمانية التي ارتكزت على الشريعة الإسلامية لقرون طويلة. ولسد الفراغ في الحياة العامة قام أتاتورك بتنشيط وإحياء الحس الوطني التركي و بإجراء تغييرات جوهرية بعد الحرب العالمية الأولى، هادفاً إلى جعل تركيا بلداً ذو مجتمع مدني متقلدا في ذلك ببعض المجتمعات الأوروبيه. فبعد إلغاء نظام الخلافة تم فصل الدين الإسلامي عن الحياة السياسية لتبدأ بذلك ثورة ثقافية جاءت من أعلى، وهو ما لم يكن قد حدث من قبل في التاريخ الإسلامي الحديث. إضافة إلى ذلك دعا أتاتورك إلى حرية المرأة وتقوية مركزها في المجتمع التركي، حيث منح النسوة حق الانتخاب وطالبهن بخلع الحجاب التقليدي حيث قال: “يجب على النسوة إظهار وجوههن للعالم” و”ينبغي عليهن رؤية العالم بأنفسهن” مطمئناً في الوقت ذاته الرجال قائلاًً: “عليكم ألا تخشوا شيئاً بهذا الخصوص!”. ويعود نجاح أتاتورك في هذا التحديث الجذري إلى قوة شخصيته وعنفوان سياسته العسكرية. وكان الأتراك يعتبرونه بطلاً وطنياً ذو شعبية عارمة.

    لقد حققت تركيا العلمانية خلال الثمانين سنة الماضية (وهي فترة قصيرة) نجاحات كبيرة في مختلف المجالات. هذه النجاحات في الاقتصاد والتجارة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، ما كان لها لتحصل في ظل النظام الديني العثماني السابق! وهي اليوم مرشحة بقوة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

    ولكي نكون منصفين فإنه يتوجب علينا الإشارة إلى الكثير من الأخطاء الجسيمة التي رافقت عملية علمنة الدولة التركية؛ وبخاصة في بداياتها عندما أدت إلى انتهاك حقوق الأقليات العرقية كالأكراد على سبيل المثال لا الحصر، والدينية كالأرمن والسريان الأرثوذكس. فلقد اتبع أتاتورك، ومن بعده قادة أتراك، سياسة دمج الأكراد أو كما سماهم “الأتراك الذين يعيشون في الجبال”. وراح ضحية هذه السياسة 30 ألف شخص. وترافق ذلك مع تغييرات قسرية في الثقافة والتقاليد لها علاقة بممارسة الشعائر الدينية، وحظر ارتداء بعض أنواع الملابس على الرجال كالسراويل التقليدية والقبعات الحمراء (الطربوش). وتم سن قوانين تجبر الرجال على وضع قبعات أوروبية حديثة وكان كل من يخالف هذه القوانين يعاقب عقاباَ شديداً . وبعد مضي أكثر من ثمانين عاماً على تأسيس الجمهورية التركية لا يمكن القول إن النظام العلماني التركي قد نجح بصورة كاملة. كما نجد أن إصلاحات أتاتورك لم تصل إلا جزئياً إلى المناطق الريفية حيث أن الحياة الاجتماعية هناك لا تزال تقليدية ودور المرأة في القرى أقل بكثير من دورها في العاصمة أنقرة أو في اسطنبول ومعظم المدن الكبرى الأخرى. ويقول المراقبون أنه لو لم يقف الجيش وجنرالاته كالرقيب وراء الحكومات التركية لتزعزع النظام العلماني السائد في تركيا، وهذا ما يبرر حدوث انقلابات كثيرة في تاريخ الجمهورية التركية.

    لكن بالمقابل: إذا ما قارنا بين النجاحات في مجالات كثيرة والإخفاقات في مجالات أخرى، فإننا لا نستطيع إلا نتفكر طويلا في هذه التجربة العلمانية المعاصرة. ونحن، كجيران دائمين لتركيا، نشعر أن الأمر يعنينا في الصميم.

    سورية العلمانية: حلمنا الذي لم ينتهي!!

    “سورية التي تختبئ في شراييني كما يختبئ الكحل في العين السوداء، وكما يختبئ السكر في حبة العنب”. .. نزار قباني

    ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ـ قد يبدو هذا القول، للوهلة الأولى، صحيحاً مائة بالمائة! وبخاصة مع بداية هذه الألفية الثالثة.

    نحن نحيا بالخبز والحرية! وأي فقدانٍ لإحدى هاتين الضرورتين سيسحبنا من خانة الأحياء إلى خانة الأموات؛ وإن بقينا نتنفس كالآخرين!! ـ هذه المعادلة البسيطة ستتحول إلى مأساة وطنية بامتياز عندما يفتقد أغلبية السوريين للخبز والحرية معاً!!.

    نريد أن نقارب المشهد الاجتماعي الحالي في سورية، من منطلق واقعي وليس نظري!. ولسوف أعتذر مسبقاً عن كل المصطلحات والعبارات الواردة هنا؛ والتي يحتمل أن ينعتها البعض خطأً بالطائفية!. نحن نعتقد بأننا علمانيون؛ وبأننا واقعيون أيضاً نكتب ما نفكر به بعيداً عن التملق والمجاملة والتمثيل!!.

    ـ نشر الدكتور محمد الموصللي مؤخراً تقريراً هاماً عن “إحصاء الطوائف في سورية” الذي قامت به جهات الدولة المختصة خلال النصف الثاني من عام 2005. التقرير يبين بالأرقام والنسب المئوية عدد أتباع الطوائف (وهي ثمان حسب التقرير. أربع طوائف أساسية أو كبيرة، وأربعٍ أخرى ثانوية أو صغيرة) في سورية البالغ عدد سكانها 18مليون نسمة. أكبر الطوائف هم الســنّة (من عرب وشركس وتركمان وشيشان) ونسبتهم 45% أي ما يعادل 8.100 ملايين نسمة. يليهم حسب العدد (من 20% وما دون) العلويون والأكراد والمسيحيون؛ ثم أتباع الطوائف الصغيرة وهم الدروز والمرشديون والاسماعيليون والشيعة.

    إذاً، بحسب هذا التقرير سورية، اجتماعياً، بلد فسيفسائي ربما لا يشبه بلداً آخر في المنطقة (باستثناء لبنان)!

    ـ حسب روايات الدكتور محمد حبش عضو مجلس الشعب السوري، والذي يمثل التيار الإصلاحي في جماعة الســنّة، فإن هذه الجماعة تنقسم إلى ثلاثة تيارات: المحافظون ونسبتهم حوالي 80%. الاصلاحيون ونسبتهم أقل من 20%. والراديكاليون السلفيون ونسبتهم أقل من 1%.

    يعني، وبحسبة بسيطة، فإن في سورية حوالي 81 ألف سلفي ومرشح لاعتناق السلفية مستقبلاً (مع ما تعنيه السلفية من تكفير ومحاربة وتقتيل للآخر المختلف عنها؛ وإن كان من نفس الدين).

    81 ألف سلفي تكفيري ماذا سيفعلون بالبلد عندما يحصلون على الحرية؟!.. [راجعوا أشرطة الفيديو القادمة من العراق وأفغانستان وستجدون الجواب]!!.

    ـ أسئلة مشروعة:

    هل المجتمع السوري اليوم مؤهل، ثقافيا وعلميا ووعيا وإدراكا، لتقبل سيل الحريات العامة الموعودة (والتي يطالب بها الكثيرون في الموالاة والمعارضة)؟؟

    هل الديمقراطية قادرة على حل جميع مشاكلنا دفعة واحدة؛ أم أنها ستؤدي إلى الكثير من المآسي والآلام للبلد وأهل البلد؟؟

    ألا تبدو سياسات النظام الأمنية، في التضييق على الجماعات السلفية التكفيرية الكامنة، مفهومة منطقياً اليوم (مع ما تعنيه للبعض من انتهاكات للحريات وحقوق الإنسان)؟؟

    من ناحية أخرى، ألا يبدو مستغرباً مغازلة النظام (يفترض علماني!!) لرجال الدين من كل الطوائف في سورية، وإقحام السياسة على الدين في كل المحافل الاجتماعية والوطنية والإعلامية؟؟

    ـ كتبنا في مقال سابق: نعتقد أن أي إصلاح سياسي واجتماعي مستقبلي لا يجب أن يكرس هذا التيار أو ذاك. إن محاربة التيار الراديكالي الاقصائي لا يتم بتقوية المعتدل وهيمنته على المشهد الإسلامي السياسي في بلد (سورية) متعدد الطوائف والمذاهب والأعراق والقوميات والعقائد. الدين في سورية (أي دين) يجب أن يعود إلى مكانه الطبيعي (بيوت العبادة) لا أن يتصدر الواجهة السياسية والحزبية في البلد. العلمانية هي الحل الأمثل لمشاكلنا. فقط في ظل نظام علماني، يفصل الدين عن الدولة، لن يشعر مطلق إنسان في سورية (سواء كان سني، علوي، اسماعيلي، مسيحي، مرشدي، كلداني، آشوري، ارمني، كردي، درزي، لا ديني …الخ) بالغبن والإقصاء!.

    الحقيقة ليست في العدد والنسب المئوية ومفاهيم الأقلية والأكثرية. هذه المفاهيم، وحدها العلمانية، قادرة على تجاوزها بشكل عقلاني حضاري.

    هل ظاهرة ما يسمى “الحوار بين الأديان” مجدية وبإمكانها توحيد مجمل الطيف السوري؟ هل نشر ما يسمى بثقافة التوافق بين أتباع الديانات سيؤدي حتما للوحدة الوطنية؟

    إذا كانت الطوائف المختلفة في الدين الواحد وعبر آلاف السنين لم تستطع التوافق فيما بينها على أبسط الاختلافات فهل من المجدي إضاعة الوقت في مؤتمرات وندوات استعراضية لرجال دين من مذاهب مختلفة، وكلنا يعلم أن فتوى واحدة أو حتى خطبة دينية واحدة قادرة على إشعال الحرائق بين أبناء الوطن الواحد، ولن تنفع معها أية مؤتمرات استعراضية (والأمثلة كثيرة في مصر وغيرها).

    التوافق بين الأديان مستحيل عندما تصول وتجول في الشارع وفي أزقة السياسة والإعلام الحكومي! السلام الوطني بين أبناء الوطن الواحد يتحقق فقط عندما يصبح الدين لأهل الدين والله والوطن للجميع (وهذه العبارة مستعارة من مثقف سقلوبي مميز)، وكل الاختلافات الطبيعية في الأفكار والرؤى تصبح حضارية مقبولة ومفهومة عندما تنتفي ثقافة الإفتاء والإقصاء والتكفير المتأصلة في الدين (مطلق دين).

    أوليس الحلال بيّن والحرام بيّن؟! أوليس من الأهمية بمكان التفكُّر في هذين الحديثين الشريفين: ((إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر)) ـ ((إذا أتيتكم بشيء من أمر دينكم فاعملوا به، وإذا أتيتكم بشيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمر دنياكم)). صحيح مسلم والسرخسي.

    نحن بحاجة إلى عمل دؤوب مع كل العلمانيين والمتنورين واللاطائفيين في سوريا الجميلة! من الحزبيين وغير الحزبيين، المؤمنين وغير المؤمنين، والذين يجمعهم حلم واحد وهو المحافظة على الكيان السوري وتطويره وتجميله باستمرار كوريث شرعي للحضارة السورية القديمة والعريقة، من أجل علمنة سورية علمنة كاملة. والانتقال بها من مجتمع الشبه (شبه بدوي، شبه علماني، شبه ديني) إلى مجتمع علماني حقيقي.

    أنا والآخر وجهان لعملةٍ واحدة تدعى الوطن، فلماذا يريدون أن يرسموا لنا وجهاً واحداً!.. أنا والآخر خطان متوازيان، فكيف يريدون أن نتقاطع!.. أفلا يحكمنا قانون وحدة وصراع الأضداد؟!.. لماذا إذاً يتمسرحون حول طاولاتٍ مستديرة؟!.. هل يريدون أن يصنعوا لنا إلهاً واحداً؛ وهل حقاً إلهنا واحد؟! ـ فليرفعوا كل الآلهة عن طاولاتهم المستديرة وليعيدوها إلى بيوت العبادة! لأننا قررنا أن نتّحد في الوطن ولن يفرقنا إله!.

    * * *

    ماهر سلوم

    نيسان 2006

اكتب تعليق

مدونات سقلب المجانية ماهر سلوم | www.maher.sqlb.net أنشىء مدونتك المجانية