• 27يوليو

    مسرحية الديكتاتور

    (فرقة مسرحية شابة تقوم بعمل بروفات على مسرحية تحمل عنوان الديكتاتور _ حياته قبل تسلم الرئاسة، فقره المدقع، طموحه إلى السلطة، تسلمه السلطة كحاكم عسكري متسلط لسنوات طويلة ومن ثم سقوطه المدوي ومحاكمته).

    ديكور المسرحية: مشنقة معلقة في أحدى زوايا المسرح. طاولة عليها جهاز كمبيوتر ومينتور. كاميرا تصوير فيديو ثابتة. كراسي متفرقة. صور وعبارات على الجدران تمثل بعض مشاريع الديكتاتور وخطبه الرنانة. أثاث غرفة بسيطة تمثل بيت الديكتاتور في صباه قبل تسلمه الحكم.

    المشهد الأول

    تفتح الستارة على مسرح مضاء إضاءة كاملة. على خشبة المسرح يتحرك مجموعة من الأشخاص رجال ونساء وشاب يافع هم أعضاء الفرقة المسرحية. الحركة نشيطة و الموسيقا صاخبة. البعض يحمل أوراق هي نص المسرحية. إحدى الممثلات تدخن وتحدث صديقة لها حديثاً عاماُ باللهجة العامية.

    زهرة: إيه دلال! شو رأيك بتسريحة شعري؟ بربك مو حلوي؟ وهالحمرة يالله شقد حلوي! هي هدية من صديقي العيش برا.

    دلال: ولك اسكتي اسكتي. هي منظر أم ديكتاتور؟ هلق بيجي المخرج و بيطق عقلو. المفروض بالنص إنا تكون امرأة تقليدية محافظة، مو شرشوحة كأنا جاي من كباريه!

    زهرة: إيه ينفلق هالمخرج. أصلاً هوي شخص بدو يحاكم كل الديكتاتوريين بالعالم و اماتن كمان، بس بعقلية الديكتاتور المودرن.

    مساعد المخرج: يالله ياشباب! قرب يجي الأستاذ. حضروا حالكن للبروفة النهائية. علي! الإضاءة زابطة من عندك؟

    علي: زابطة استاذ. بس الله يستر ماتنقطع الكهربا وقت التمثيل

    مساعد المخرج: مدام زهرة! متموزيل دلال! راجعوا أدواركن للمرة الأخيرة. مابدي أغلاط اليوم، وخاصة مدام زهرة. الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب يامدا . لا تبهدليني اليوم كمان منشان الملائكة.

    خليف يا خوي! شنو أخبار المشنقة عندك؟ ثابتي اليوم ولا رح توقع بالزلمي وتكسر الديكور؟

    خليف: المشنقة تمام يا أستاذ. ثبتلك ياها بأربع بسامير بولاد. إذا بتهب عليها الرياح الخماسية مارح تزحزحها.

    مساعد المخرج: ولك ليش مجفالا الحبل هالقد؟ شو رح تعلق فيها جاموس؟!

    خليف: لا يا استاذ. رح علق فيها ديكتاتور من الوزن الثقيل. هيك مكتوب بالنص. يعني إذا انقطعت االحبلي فيه أنا بتبهدل وبيفشل المشهد، وهادا بيصير مو هيك يااستاذ؟ بيصير!

    مساعد المخرج: بيصير! بس إذا صار رح علقك محل الديكتاتور

    خليف: استاذ … استاذ جيتني فكره حلوي هلق! شو رأيك حط جوز ممثلين هون جنب المشنقة منشان يقدموا للديكتاتور كاس نبيت احمر قبل ماارفس الكرسي من تحتو؟ بيصير المشهد الاخير تراجيدي ومعبر!

    مساعد المخرج: تراجيدي ومعبر قلتلي! ولك شو نحنا رح نحاكم المسيح دخيلو؟! ولك هادا ديكتاتور … ديكتاتور برقبتو شي مية ألف قتيل.

    خليف: يعني ما عجبتك الفكرة استاذ؟

    مساعد المخرج: ما عجبتني يا عمي! سد بوزك أحسن ما جيب القصاب أبو عجاج جارنا ياخود دورك ها!

    (وينظر مساعد المخرج إلى أوراقه)

    المصور جان! والصحفي خليل! .. انتو الوجه الديمقراطي للمحاكمة. جان رح يكون دورك خلف الكاميرا منشان تنقل وقائع المحاكمة التاريخية للعالم الحر! وخليل! انت الصحفي الاجنبي. رح تمثل وسائل الاعلام المختلفة المهتمة بنقل الحدث كتابة وصورة. ماشي يا شباب! بيضوها اليوم! بيضوها اليوم منشان الملائكة!. بداية العرض المسرحي قربت ورح يعمل ضجة كبيرة انشا لله.

    (في هذه الأثناء يدخل المخرج. يعتمر سيدارة على رأسه ويمسك غليون بيده، ويتنقل بسرعة على خشبة المسرح)

    مساعد المخرج: أهلين استاذ. اهلين استاذ شرفتو. الشباب والصبايا جاهزين للبروفة النهائية

    المخرج: أوكي أوكي خلونا نبلش! ماعنا وقت طويل. المسرحية رح نعرضا بعد اسبوع ورح تحضرا شخصيات مسؤولة تقيلة. لذلك بدي ياكون تكونو ع مستوى الحدث. الكل يلتزم بالنص حرفياً. مابدي حدا يتفلسف ويرتجل من عندو. كل كلمة محسوبي علينا. رح تكونوا بها المسرحية كأنكن بحقل ألغام، أي انحراف عن الخط المرسوم رح يورطنا بمشاكل كتيرة نحنا بغنى عنها. بها المسرحية عليكن مهمة وحيدة وهي محاكمة الديكتاتور، أي ديكتاتور بأي زمان وأي مكان. الديكتاتور كعقلية، منهج، تصرف مو كشخص قائم بذاتو. مو مهمتنا نوجه الأصابع الى أشخاص موجودين أو كانو موجودين بالعالم. وها لمشنقة المنصوبة بصدر المسرح هي رمز، مو فعل قائم بذاتو، رمز لارادة الشعب او على الاقل أكثرية الشعب. (ويضع المخرج يده على خشبة المشنقة فتميل تحت ثقل جسمه وتكاد تسقط فيتقدم خليف ممسكاً بها بكلتي يديه بينما يصيح الجميع: يا لطيف .. يا لطيف .)

    مساعد المخرج: خليف! امسكها لا تخليها توقع!

    المخرج: (ينظر إلى خليف بامتعاض واضح): ولك خليف شو هالمشنقة الانتيكا. ولك هي مشنقة ولا رقاصة. ميلي ما مال الهوا عيني يا موليا.

    خليف: (متلعثماً وخائفاً) استاذ! والله العظيم ثبتا بأربع بسامير بولاد.

    المخرج: بسامير بولاد بمخك انشالله. كيف هيك مشنقة رح تمثل ارادة الشعب؟ شو ها لإرادة المذبذبة. (ويصرخ) ثبتا منيح ولاك. ثبتا أحسن ما علقك محلا!

    خليف: حاضر … حاضر أستاذ

    المخرج: مساعد المخرج! يالله جهزلنا المشهد الأول. خلونا نبلش

    مساعد المخرج: جاهزين أستاذ, يالله يا شباب اللي مالو دور بالمشهد الأول يتفضل برات الخشبة (ويخرج البعض من المسرح ويبقى الشاب في دور الديكتاتور همام في صباه والسيدة زهرة في دور والدة الديكتاتور)

    المخرج: المشهد الأول. الديكتاتور في صباه. حديثه مع والدته. همام حبيبي حافظ دورك؟

    همام: حيفظو أستاذ كرج موي

    المخرج: زهرة أم الديكتاتور الصغير. دورك مهم كتير وعلاقتك بإبنك وتربيتك إلو مفتاح لفهم شخصية الديكتاتور. بس وقفي تقلك شوي (ويقترب المخرج من زهرة متفحصاً وجهها الممكيج وشعرها الهفهاف) شو هالحلو مدموزيل زهرة. ولك شو هالأحمر والأخضر ع وجهك (ويقلب المخرج في أوراقه) إنتي متأكدي إنو دورك بالعمل أم الديكتاتور ولا عشيقتو.

    زهرة: أمو أستاذ, أمو

    المخرج: بيجوز تكوني أمو بس المكياج مو مكياج أمو. ولك روحي شوفي حالك بالمراية إنتي بالكتير بيطلعلك تكوني, بنتو, أختو, صاحبتو. روحي مسحي هالمكياج, أحسن ما امسح الأرض فيكي —– يا مساعد مخرج

    مساعد المخرج: نعم أستاذ

    المخرج: ضبضبا وزبطلا مكياجا ( ويسرع مساعد المخرج فيأخذ زهرة جانباً وبمساعدة صبية أخرى يتم تعديل المكياج, وفي هذه الأثناء يراقب المخرج همام الشاب وهو يجرب بارودة روسية في يده ويتدرب على الإطلاق منها بشكل تمثيلي)

    المخرج: شو يا همام مستعجل كتير يا خيي لتصير ديكتاتور. جاي المشاهد ورح تقتل كتير عالم بهالبارودة. بس انتبه لتروكب معك ها

    همام: مفهوم أستاذ. أنا بعجبك بالقويس. بس جبلي طلقات وخلي الباقي عليي

    مارح خليلك ابن مرا يتنفس .

    المخرج: برافو برافو (بسخرية) رح نشوف. شو يا زهرة صرتي جاهزة؟

    زهرة: جاهزة أستاذ

    المخرج: يالله إذاً. المشهد الأول من مسرحية الديكتاتور. علي! الاضاءة من عندك

    لو سمحت (وتنطفىء الإضاءة في المسرح إلا بقعة ضوء على الأم وابنها, وتصدح موسيقا معبرة عن المشهد)

    المخرج: ابدأ (ويبدأ المشهد بحوار بين الأم وابنها)

    زهرة: حبيبي همام لماذا عدت باكراً من المدرسة اليوم؟ هل طردك المعلم من الصف هذه المرة أيضاً؟

    همام: نعم يا أماه لقد فعل من جديد ولكني لن أسمح له بذلك مرة أخرى

    زهرة: ماذا تقصد يا همام؟

    همام: أقصد أني قررت أن أطلق المدرسة والمدرسين بدءاًمن هذا اليوم

    زهرة: ويحك يا بني لن تفعل ذلك. قل أنك لن تفعل ذلك. أستحلفك بالتراب الذي يغطي قبر والدك ألا تفعل ذلك. همام! يا حبيبي العلم نور يا بني والمستقبل للمتعلمين

    همام: أي مستقبل ياأماه هذا الذي تتحدثين عنه. نحن بحاجة إلى معجزة إلهية تنقذنا من هذا الفقر المدقع. مات أبي وهو غير مكترث بهذه التركة الثقيلة التي خلفها لي. تركة من الفقر والعوز والقلة. لن يطعمنا العلم يا أماه ولن يكسينا.

    زهرة: هذا الوضع عام يابني وهو ينطبق على غيرنا من العائلات. أنها أرادة الله التي لا اعتراض عليها. هو الذي يعطي ويمنع بلا حساب

    همام: صدقت يا أ ماه. هو الذي يعطي ويمنع بلا حساب! الخير من الله ولكن الشر من انفسنا. وأنا لا أطيق الخنوع, لا أطيق الاستسلام لا أطيق الهزيمة, لا أطيق الأغنياء الذين يزدادون غناً يوماً بعد يوم والذين مااغتنى واحد منهم إلا بفقر عشرة على الأقل منا. أشعر أن الله نفسه غير راض بهذه المعادلة المذلة, كما أشعر أن مهمة تصحيح هذه المعادلة تقع علي وعلى الأخرين من أمثالي

    زهرة: هذه سنة الحياة يابني. همام يا حبيبي انتبه الى دروسك ودعك من هذه الأوهام الصبيانية. الفرج سيأتي يوماً ما يا بني وليس لنا حيلة إلا الصبر, ولن يفيدكم أتنم الشباب الخروج إلى الشوارع ومجابهة الجنود والموظفين الحكوميين.

    همام: لن يفيدنا الخنوع يا أماه. هؤلاء المرتزقة لا تنفع معهم غير القوة. ما أخذوه بالقوة سنعيده بالقوة. إني أشعر أن الخالق اصطفاني لهذه المهمة وبأن رؤوس السراق والمرتزقة والخونة قد أينعت وإني لقاطفها يوماً ما. ستنحني الرقاب أمامي يا أماه في يوم أراه قريب

    زهرة: يبدو أنك كبرت في غفلة مني يا همام. دعك من هذه الرؤى الخرافية يا بني والتفت إلى دروسك كي تستريح نفس أبيك القتيل. سأعيدك بنفسي إلى المدرسة في الصباح وأترجى المدرس

    أن يغفر لك هفواتك وتصرفاتك الصبيانية. بالمناسبة ماذا اقترفت اليوم من ذنب تستحق عليه العقاب؟

    همام: لا شيىء مهم. فقط كحلت عين احد الطلاب بهذا القلم الرصاصي (وأخرج القلم من جيبه)

    زهرة: ولماذا فعلت ذلك؟ أليس زميل لك في الصف؟

    همام: بلى هو زميل لي ولكنه رفض الاشتراك مع مجموعتي في إحدى المظاهرات

    زهرة: هو إذا شاب عاقل ولا يحب المشاكل

    همام: هو شاب يعتقد أن ما يحصل في البلد لا يعنيه ولا يمسه شخصياً مادام وضعهم المادي جيد ولا يتأثر باضطرابات الشارع وتململ الناس. قال لي بتعجرف أنتم مجموعة صعاليك, أنتم أشخاص فاشلين دراسياً واجتماعياً ومهما فعل الجنود بكم فهو قليل. أنتم تستحقون أكثر من ذلك. فما كان مني إلا أن كحلت عينه اليمنى بهذا القلم الرصاصي. أما مدرس الصف الأستاذ نور ومع أنه يتعاطف معنا ضمنياً إلا أنه اضطر إلى تطبيق القانون بحقي فطردني من المدرسة. سامحه الله (وفي هذه الأثناء يتقدم المدرس نور وبرفقته طالب بعين معصوبة. يخرجون من بين الجمهور ويصعدون المسرح ويصير الحديث باللهجة العامية)

    المدرس نور: اشكر الله يا همام إني ماسلمتك لرجال الأمن! كنت هلق ببيت خالتك مو هون ببيت أمك!

    زهرة: أهلين أستاذ نور! أهلين شرفتونا، منشان الله سامحنا. همام عصبي وبنرفز بسرعة. وأنت يا ابني سلامة عينك! انشالله هوي ولا أنت. كيف نظرك هلق انشالله ما تأثر؟

    الشاب: مابعرف يا خالة! قلي الطبيب بعد أسبوع ببين معي ويمكن ما شوف متل أول

    همام: ولك أنت كنت بعينتين وما كنت تشوف اللي ميصير حولك، كيف هلق بعين وحدي؟

    الشاب: اللي ميصير حولي بيعنيلي متل ما بيعنيلك! بس أنا ما بآمن بالعنف من اجل الإصلاح. ممكن حل المشاكل بالحوار والدبلوماسية

    همام: أي حوار وأي دبلوماسية يا زلمي؟ فيك تقول للص لو سمحت رجعلي عمري وعمر بيي وعمر جدي وعمر الناس الدراويش؟ فيك تقول للقاتل لاتقتل للسارق لاتسرق للزاني لاتزني؟ المشكلة أبعد من مجرد شعارات. المشكلة طبقية صراع نضال فعل وردة فعل!

    المدرس: يعني متل ردة فعلك يا همام (ويشير إلى عين الشاب المعصوبة) يعني لو اجت ردة فعلك أقوى من هيك شوي كانت عين الزلمي بسلامة راسك

    زهرة: ولي تقبرني يا ابني وسلامة عينك. انشالله عين هالدب ولا عينك!

    المدرس: همام يا ابني! أكترية الطلاب متعاطفي معك ومع مجموعتك. لا تطلب من الكل يكونوا متلك. الكل بدوا التغيير بس الوسائل بتختلف. الاختلاف بالرأي لا يفسد في الود قضية. المجتمع

    بحاجة لكل أبناؤو. الكل واعي لخطورة المرحلة. الإشكال الأساسي نكون أو لانكون. بس مو كل واحد وقف ضدك واختلف معك بالرأي لازم تطير عينو!

    همام: التنظيم الحديدي هوي الأساس. لا مكان لأنصاف الرجال. لا مكان لأنصاف الحلول. كل شيء أو لا شيء. عجلة الانقلاب قادمة ورح تطحن بطريقها كل المترددين والانهزاميين والرجعيين. ورح تشوف يا أستاذ، ورح يشوفوا معك كل هالجماهير المسحوقة انو المستقبل لألنا، نحنا الحملان الوديعة اللي مارح تسمح لأي راعي جاهل يدبحها. وأنت يا صديقي اللي بعين وحدي أحسن الك تكون أعمى من انك تكون مفتح ومانك شايف الهدف!

    المخرج: ستوب! ولك ستوب! شو هالمهزلة هي ولاك. شو اللي ميصير بمسرحيتي يا مساعد مخرج! مين هودي الأشخاص اللي دخلوا ع النص متل ما بيدخل الديب ع قن جيج؟ (ويقلب في أوراقه) الأستاذ نور؟ مو موجود بالنص!. الشاب الأعور؟ مو موجود بالنص! خطاب همام الحماسي _ مع انو عجبني _ بس مو موجود بالنص!. علي! اعطيني اضاءة لشوف!

    ولك انتو من وين طلعتولي؟ أستاذ نور! أي جهاز مخابرات بعتك لعندي ولاك؟

    الأستاذ: أنا طلعت من بين الشعب يا استاذ

    المخرج: من بين الشعب قلتلي! بس مايكون هادا الشعب هوي نفسو اللي رح يحضر مسرحيتي؟

    وانت ولاك أعور؟ شو جابك ع حارتنا؟

    الشاب: أنا جيت مع الاستاذ أستاذ

    المخرج: يعني وأنت كمان من هالشعب! يعني أنا فكري هنيك. عن جد بهنيك وبهني شعبك فيك.

    مدام زهرة! وين رايحا وليش قلعتي الباروكة؟

    زهرة: أنا مليت من هالمهزلة استاذ! نحنا بمسرحية ولا ع الواقع؟ إسا كل واحد ما عجبو شي بالنص بينطلنا من تحت وبيصير كأنو ممثل بالفرقة

    المخرج: (موجهاً كلامه الى همام) عجبك يا فرخ ديكتاتور؟ ولك إسا ما نبتلك ريش ونيزل سلخ بالعالم. كيف بكرا بس تكبر وتصير كل السلطات بايدك شو رح تعمل؟ أنا صار لازم خاف ع رقبتي منك (متحسساً رقبته) فيك تروح هلق وحضر حالك للمشهد التاني. وانت يا استاذ نور خود معك هالأعور وارجع لجمهورك اللي طلعت منو. بس دخيل عينك خود الستارة بطريقك لأنو المشهد الأول انتهى وبعد شوي رح نبلش بالمشهد التاني. علي! طفي الاضاءة.

    المشهد الثاني

    (على حيطان المسرح معلقة يافطات كتب عليها بالخط العريض بعض أقوال الجنرال همام. مثلاً: ما أخذوه بالقوة سنعيده بالقوة – لا للخونة و العملاء و ضعاف النفوس – الاشتراكية طريقنا والقوة هدفنا.

    الجنرال همام بالزي العسكري وبلحية طويلة تبدو على وجهه ملامح القوة والجبروت. يجلس على منصة مرتفعة تطل على الممثلين والممثلات وهم يحملون الرايات والاشرطة الملونة احتفالاً بالذكرى السنوية الاولى لتسلم همام الحكم في البلاد.

    قفص حديدي كبير ينتصب في احدى زوايا المسرح. هرج ومرج بين الممثلين بانتظار المخرج. إحدى الممثلات تقوم بتعديل ماكياج وهندام الجنرال.)

    يدخل المخرج مسرعاً كالعادة ويدور دورة كاملة متفحصاً الديكور والأشخاص على المسرح ويسأل مساعد المخرج الذي يسير إلى جانبه:

    المخرج: شو يا مساعد مخرج! يبدو انو الفرقة جاهزة للبروفة؟

    مساعد المخرج: جاهزة أستاذ وكل الأمور تمام

    المخرج: اللافتات بمكانها. الجماهير. الأعلام. الزينة . .. أوكي. القفص الحديدي، شي حلو! صناعة متقنة. وينو خليف؟ أنتي اللي شتغلتو مو هيك؟ شو بطلع منك يامنظوم! بس صغير شوي مو هيك؟

    خليف: أستاذ كنت محكوم فيه، خلص من عندي الحديد و المسؤول المالي رفض يصرفلي مصاري مرة تانية

    المخرج: وليش مارضي يصرفلك؟

    خليف: قال لأنو تكاليف الحديد عندو محسوبي ع السعر القديم قبل ما يغلى

    المخرج: بسيطة …بسيطة. هوي صحيح مارح يساع ناس كتير بس بالنهاية بيضل رمز. ماشي الحال. (ويلتفت المخرج الى همام الجالس بالعالي ويقول له): شو كيف الاطلالة من عندك؟

    همام: والله خايف ما أوقع يا أستاذ من فوق واتطق رقبتي

    المخرج: أي لا تخاف لا تخاف. المفروض انك تخوف مو تخاف

    همام: بس ع الورق يااستاذ، ولكن بالحقيقة أنا شخص مسالم. اسأل الكل إذا بدك!

    المخرج: أيه يالله انزل بلا فزلكة. رح نبلش المشهد. (وينزل همام)

    شباب … صبايا استعداد رح نبلش المشهد الثاني من مسرحية الديكتاتور. خلونا بالبداية نراجع بعض الافكار. (وينظر المخرج في أوراقه ويقرأ ): يبدأ المشهد باسكتش غنائي تؤديه الفرقة احتفالاً بالذكرى السنوية الأولى لتسلم الجنرال مقاليد الحكم. حوارية غنائية بين الشعب والجنرال، يالله سمعونا لنشوف وخلونا ننهي هالمشهد المهم كما هوي مرسوم ع الورق دون تحريف أو إضافة. الكل جاهزين؟ موسيقا! ابدأ!

    الشعب: أهلا أهلا يا راعينا …… يلي كبر الوطن فيك }

    أهلا أهلا يا راعينا ……. نحنا الشعب منهنيك }___ لازمة ___ ( 2 )

    منهنيك يا راعينا … ومنهني نفسنا فيك }

    رجل: أهلا بابن الشعب البار يلي عمل الليل نهار } ___ 2 ___

    امرأة: أهلا بالبطل المغوار حامي العرض وحامي الدار }

    الشعب: يا بطل الايام الصعبة … خلينا نتغزل فيك

    ________ لازمة _________

    همام: أنتباه أنتباه ________ 2 ______

    أنا الحاكم بأمر الله انتباه انتباه

    رح عيشكون بالنعيم أيها الشعب العظيم

    رح عيشكون بالأمان أيها الشعب المهان

    رح دربكون ع السلاح أيها الشعب المباح

    والله من عندو بيعين ياعليم .. ياكريم

    ياعليـــــــــم ياكريــم

    رجل: (عداوية)

    نحنا جنودك ياهمام

    الشعب: نحنا جنودك ياهمام

    رجل: لا منكل ولا منام

    الشعب: لا منكل ولا منام

    رجل: رح نمشي معك بهالدرب

    الشعب: رح نمشي معك بهالدرب

    رجل: لتحررنا من الأوهام

    (في هذه الأثناء يتقدم شابان بلباس أسود وملامح خاصة يفهم منها أنهما من جهاز المخابرات الخاص بالجنرال. يتقدمان من الجنرال ويوشوشانه بكلام غير مفهوم، بعدها يصعد همام الى منصته العالية ويبدأ خطابه للشعب وهو يدخن السيجار):

    همام: أيها الشعب العظيم! أيها الرفاق أعضاء القيادة الثورية!.. تمر الذكرى السنوية الأولى لانقلابنا الثوري ونحن أكثر قوة من الماضي، وأقوى عزيمة وتصميم على تحقيق الأهداف في التحرر والتقدم والبناء. قبل سنة بدأنا المسيرة. مسيرة الألف ميل، وهي مسيرة شاقة ولا شك، ولكنا مصممون على خوضها بالرغم من كل المعوقات و الأخطار المحدقة. نحن نعلم أنا محاطون بجيش من الأعداء والمتربصين كما في الخارج كذلك في الداخل، ولكن تنظيمنا الحديدي قادر على سحق كل الأعداء والخونة. هذا الانقلاب الثوري الذي بدأناه قبل عام بدء ولن يتوقف، وعملية التغيير التي أطلقناها قبل عام قادمة بسرعة الضوء وستسحق في طريقها كل المترددين والخونة والانهزاميين والرجعيين، وبعض هؤلاء للأسف موجود بيننا، يتنفس هواءنا ويأكل بملاعقنا

    ويضرب بسيوفنا. لذلك كله أجدني اليوم مضطراً _ والحزن يغمر قلبي _ أن أنفذ باسم الشعب حكم الشعب ضد أعداء الشعب حتى ولو كانوا من الرفاق الأوائل، وليسامحني ربي إن أخطأت (يرفع يديه للسماء ثم يمسح دموعه) يا رب:

    أعلم أنك ستمنحني أجران إن أصبت وأجراً واحداً إن أخطأت، ولكني رجل قنوع أرضى حتى بنصف أجر (ثم يشير بإصبعه إلى رجلي المخابرات، وينزل عن منبره بينما يقوم الرجلان وهما يحملان مصباحين كهربائيين بتسليط الضوء على الأشخاص المطلوبين للمحاكمة، فيخرجانهم من بين الصفوف وينزعان الأشرطة الحمراء من على سواعدهم والنياشين المعلقة على صدورهم ويزجون بهم في القفص الحديدي وسط ذهولهم ورفضهم، بينما همام يتظاهر بالبكاء ومسح الدموع. من داخل القفص نسمع النداءات التالية):

    رفيق 1: لن تفعل هذا بي سيدي الجنرال! لست أنا من يكافئ على إخلاصه لك بهذه الطريقة المذلة. لقد كنت من الداعمين لك منذ البداية. وتلك الرصاصات التي اخترقت جسدي يوم حاولوا اغتيالك تشهد على ولائي وإخلاصي لك.

    رفيق 2: أستحلفك بالماضي من الأيام أن تراجع حكمك علي سيدي الجنرال! إن جدران السجون والمعتقلات والتي أكلت من لحمنا يوماً ما تشهد على ولائي لك سيدي!

    رفيق 3: إن ضربات السياط وأعقاب البنادق مازالت تصرخ في عظامي سيدي الجنرال يوم أصر الجنود أن أشي بقائد مجموعتنا النضالية الذي كان هو أنت، ولكني لم أفعل. هل يعقل بعد هذا كله أن تكون هديتك لي هذا القفص الحديدي الكئيب؟!

    (ويشير همام إلى أحدهم. فيقوم بإحضار كمية كبيرة من الأوراق يضعها كومة واحدة أمام الجنرال)

    همام: هذه الأوراق مليئة بالمؤامرات والمخططات والنوايا. وهي تؤكد بما لايدع مجالاً للشك أنكم خنتم الأمانة وفرطتم بمبادئ انقلابنا الثوري. لذلك فقد استحقيتم حكم الشعب.

    (في هذه الأثناء تقوم عناصر المخابرات باعتقال رجل و امرأة من الصفوف، وضابطين رفيعي المستوى بحالة مزرية من خلف الكواليس. بينما يدور همام دورة كاملة على المسرح ويقف أمام عبارة له معلقة على أحد الجدران ويقرأ ): “لا للخونة والعملاء وضعاف النفوس”. نعم …نعم …

    لا مكان للخيانة! لا مكان للعمالة! لا حياة للضعف! الحياة للقوة وفي القوة الحياة! فلتسمع الشعوب، كل الشعوب على سطح هذي الأرض، بأنا قادمون قادمون من أعماق الأرض، وبأنا قررنا الصعود إلى القمة، وبأن هذه الحرب المقدسة والتي أعلناها قبل عام لاسترجاع حقنا السليب في الأرض والمياه والنفط ماهي إلا البداية، وستليها حرباً على الفقر والجهل والتخلف، ولن تمنعنا إرادة العالم الحر، ومؤسساته الرسمية المزيفة. لن تمنعنا من حقنا في امتلاك وسائل القوة والدفاع والردع. هذه الوسائل التي صنعناها بخبرات علمائنا المحليين. ولأن السفينة التي نقود ضعيفة، والرياح الهوجاء تهب عليها من كل حدب وصوب، فقد قررنا نحن ربان السفينة، حماية السفينة ومن عليها بكل الوسائل الممكنة، كي ترسو بأمان في موانئ العالم، ولكي لا تتحول إلى سفينة نوح أخرى

    ممثل 1: ونحن ركاب السفينة أيها الربان الملهم!

    ممثل 2: نحن قطيع سفينتك أيها الراعي الملهم!

    مجموعة بصوت واحد: نحن عطاش الأرض بكينا …. ودموعنا فاضت أنهارُ

    الحزن هد مضاجعنا …. وخطف البسمة إعصارُ

    لا الجنة ترضى بنا أهلاً …. وجوارنا تأباه النارُ

    اخترناك رباناً أوحد …. فكن أنت المختارُ

    همام: باسم الشعب، وحرصاً على المصلحة العامة، ودفاعاً عن أمن سفينتنا المبحرة، قررنا الموت لأعداء الشعب (ويشير بيده إلى المعتقلين _ الضابطان والمرأة والرجل _ بينما يصيح الحضور صيحة أورا …. أورا …. أورا) قراراً وجاهياً لا يقبل الطعن.

    الرجل “خبير سلاح”: وهل أنا من أعداء الشعب سيدي الجنرال؟! ما هي الجريمة التي اقترفتها بحق الشعب. إن نصف الأسلحة التي يقاتل بها جيشك الآن من تصميمي، والمدفعية التي دكت حصون العدو وكانت مفاجئة المعركة من تطويري، ومشروع الصاروخ العملاق الذي أقمتم له نصباً في ساحة الشهداء من إبداعنا نحن العلماء. هذا الشعر الأبيض والذي غزاه الشيب أنما كان أسوداً غزيراً في يوم ما قبل أن أغيب قسرياً في دهاليز تحت الأرض لشهور طويلة وأنا أبحث وأطور وأخترع أسلحة جديدة. ماهو ذنبي سيدي الجنرال؟! وهل أستحق هذه المكافئة؟

    همام: ذنبك أيها العالم أن نتائج أبحاثك لم تكن على المستوى المطلوب. ذنبك أن الأسلحة التي طورت واخترعت لم تصل إلى الكمال!. أيها العالم .. لكل شيء ضريبة يجب أن تدفع. حتى للعلم ضريبة وعليك دفعها الآن. وللأسف هذه الضريبة هي الوحيدة التي لا يمكن تقسيطها. خذوه…!

    الرجل “خبير سلاح”: إذاً فلتسقط كل الأسلحة! ولتسقط كل اختراعات الموت! سقط القناع عن القناع أيها الجنرال! فمرحباً بالموت حتى ولو كان بسلاح من اختراعي أنا العالم الأخرق. (ويسحب بندقية من أحد الحراس ويطلق النار على نفسه، فيسقط صريعاً على الأرض بينما يقوم الجنود بسحبه خارج المسرح. بعد لحظات صمت يدور همام حول الضابطين المعتقلين في حركة مسرحية، ويقرأ تقريراً ميدانياً في يده، بعدها يصرخ في غضب واضح)

    همام: أيها الضابطين المغفلين! كيف تجرأتما على رفض أوامري المباشرة؟ كانت القرية ومن فيها من أعداء بحوزة جنودنا المشاة. لقد أمرت بإبادة القرية على من فيها. لا مكان للشفقة في هذه الحرب. لا مكان للأنسانية. إن لم نقتلهم سيقتلونا. لا مكان للخيانة في جيشنا العظيم. فلن يكون مصيركما بأفضل من مصير ذاك العالم البائس.

    الضابط 1: لسنا من الخونة سيدي الجنرال، ولم تكن الخيانة في تفكيرنا يوم رفضنا أمركم الرئاسي!

    همام: (مقاطعاً) بل أنتما من أسفل أنواع الخونة!

    الضابط 2: قتل الناس المدنيين ترفضه كل الشرائع العسكرية والدينية سيدي الجنرال. وبالنسبة لي أهون علي أن أتهم بالخيانة من أن أقدم على فعل أمر مشين كهذا!

    همام: ما شاء الله … ما شاء الله! يبدو أن ضابطي الرقيقين قائدي فرقتي المشاة نمور 1 ونمور 2 ماهما إلا حملين وديعين! وأنا والله لست بقائد لجيش من الحملان الوديعة (يصرخ) هي حربنا المقدسة أعلناها وسننهيها بالنصر المؤزر. وفي هذه الحرب لا مكان للرحمة والتردد والشرائع المكتوبة. ناس مدنيين عسكريين لا يهم! بسلاح بدون سلاح لا يهم! الهدف هو استعادة الأرض والمياه التي لنا فيها حق تاريخي شاء من شاء وأبى من أبى. إني أتهمكما أيها القائدين الميدانيين بالخيانة العظمى، وإني لآسف على النياشين التي علقتها على صدريكما يوما ما. فلتنزع النياشين وليسجن هذين الجروين وليحاكما محاكمة عسكرية ميدانية (بينما يقوم أحدهم بنزع النياشين وسوق الضابطين إلى القفص الحديدي يدور همام عدة دورات تمثيلية حول السيدة المتهمة الواقفة وسط المسرح، وهي سيدة مسنة بلباس شعبي بسيط تحمل في يدها ورقة رسمية وصرة من الأغراض في اليد الأخرى)

    همام: هلا أعطيتني هذه الورقة يا أمي! (وتناوله السيدة ورقتها فيقرأ ما كتب فيها) هل تستطيعين قراءة هذه الشعارات المعلقة على الجدران أيتها الأم؟

    السيدة: لا يا ولدي! ولكني ربما فهمت فحواها

    همام: وهل تعرفين قائلها؟

    السيدة: لا يا ولدي لا أعرف. ولكنها ما دامت معلقة عالياً فقائلها حتماً من الأشخاص المهمين

    همام: ألا تعرفين يا أمي أن التعليم في هذا البلد إلزامي؟ وأن دورات محو الأمية فرض عين على الجميع؟

    السيدة: بلا أعلم ياولدي ولكن …

    همام: لماذا رفضت الالتحاق بإحدى هذه الدورات؟ الجهل و الأمية مرض يا أمي، والمرض لا بد من القضاء عليه، “وهل يستوي الذين يعلمون ولا يعلمون”، “إنما يخشى الله عباده العلماء”.

    السيدة: وهل في العمر بقية يا ولدي؟ الذي راح أكثر بكثير من الذي بقي. صحيح أني لا أجيد القراءة والكتابة، ولكن أولادي تخرجوا من أفضل الجامعات، وإن لي فيهم عزاء.

    همام: ولكنك قادرة يا أمي على التعلم حتى في هذا العمر لذلك … قررنا استضافتك لمدة ثلاث سنوات لتعليمك القراءة والكتابة والحساب، ولو في حدودها الدنيا.

    السيدة: تقصد سجني لمدة ثلاث سنوات؟!

    همام: أنا لا أسميه سجناً، بل هو مدرسة داخلية الهدف منها تحرير العقول وفتح النوافذ والأبواب في عقول شعب نائم. لن يفيدنا النوم بعد الآن. فلسوف نصحو من كهفنا المظلم، فالمستقبل ينادينا وقد قررنا أن نلبي النداء. سنلتقي بعد ثلاث سنوات وعندها ستشكرينني شكراً جزيلا.

    السيدة: (وهم يخرجونها إلى القفص) لي نصيحة لك يا ولدي قبل أن أذهب إلى مصيري الغامض: لا تغرينك هتافات وتصفيق الجموع في هذه الأيام! غداً يحاسبك الناس على أوهامك. عندها ستندم حيث لا ينفع الندم. إعقل يا ولدي إعقل! (يتم إدخال السيدة إلى القفص الحديدي، بينما يخرج باقي الممثلين إلى الكواليس في صمت رهيب ما عدا همام الذي يعود ويعتلي المنصة العالية. وتنطفئ الإضاءة في المسرح ما عدا بقعتي ضوء على المعتقلين وعلى همام وهو يدخن السيجار، وتصدح موسيقى كلاسيكية سيمفونية، بعدها يتناوب المعتقلين في إلقاء قصيدة معبرة وهي كما يلي)

    موسيقى للموت عزفت … صيحات للقهر سمعت

    مقصلة التعذيب نصبت … فوق الرأس الأملس نصبت

    أسمع أصواتاً مرعبةً

    تسبح في أذني، تصفعني، ترهبني

    فأشد الرأس إلى الكف

    هرباً من ألم يضجرني

    أفتح عيني فأرى

    أجساداً أشلاء انتصبت

    فوق الرأس انتصبت

    والقائد يأمر جوقته

    موسيقى … موسيقى

    موسيقى للموت هاتوا

    نم ما شئت .. نم ما شئت

    بعد الحفل لن تفيقَ!

    * * *

    يشتد اللغط من حولي

    والصورة تصبح مهزوزة

    فألمح من بين الحشد

    وجه القائد يهوذا

    يمشي بين الأكتاف

    يهرول يركض نحوي

    يصرخ في وجهي

    تكلم يا رمز الردة

    والهرج من حولي اشتد

    تكلم نحن رجال العدل تكلم

    والحشد يصرخ أن أعدم

    أقف مدهوشاً مذهولا

    أنظر حولي فأرى

    جموعاً عطشى للدم

    يعود الصوت مجنونا

    تكلم يا بوم الشؤم تكلم

    نم نم. نم ما شئت

    موسيقى اسمع موسيقى

    بعد الحفل لن تفيق

    * * *

    تختلط الرؤية قدامي

    وجه القائد يهوذا

    يخطف نومي و أحلامي

    البرد يعشعش في صدري

    والرعشة تجتاح عظامي

    لا توجد أرض في جسمي

    لم تشرب من جرحي الدامي

    أحتار منك يا زمناً

    يغزو الكون بأقزام

    تغتال البسمة من شفتي

    تجعلني عبد الأصنام

    تزرع في الشعب مفسدةً

    تسمم كل الأنسام

    ملك الأقزام يهوذا

    يبني العدل بأوهام

    جئناك من رحم الأرض

    دعاةً للحب السامي

    نبني بالحب أوطاناً

    تنعم بهناء وسلام

    اعزف للقتل موسيقى

    اعزف من كل الأبواق

    فالحب صار كحقيقة

    تسكن داخل أحداقي

    جئناك يا ملك الموت

    ثورة جيش العشاق

    * * *

    يقترب القائد من وجهي

    يدمدم بعض عباراتِ

    محكوم أنت بالموت

    هاتِ ما عندك هاتِ

    أقف أمام الحشد الصاخب أعلن ملئ حنجرتي

    ليس من الحكمة بمكان

    أن تسجنوا كل العشاق

    فالحب في وطن الحب

    صار هدف السراق

    إن شئتم للحب موتاً

    فعليكم سحق الأحداق

    فالحب يا جيش الظلم

    في العين وفي الصدر باقِ

    أني لا أفهم كيف القزم يخول أن يقتل عشاقْ

    وكيف الحب في زمن القهر يدعى نفاقْ

    فاضرب ما شئت يا قزماً

    يزرع في الناس شقاقْ

    لكنك لن تقدر أبداً

    أن تقتل فينا الأشواقْ

    واعزف ما شئت موسيقى

    اعزف من كل الأبواقِ

    فالحب صار كحقيقة

    تسكن داخل أحداقي

    جئناك يا ملك الموت

    ثورة جيش العشاق

    ****

    (تنطفئ الإضاءة بالتدريج على المساجين في القفص الحديدي، بينما تصدح موسيقى جنائزية معبرة. بعدها يخرج المساجين إلى الكواليس في عتمة المسرح، وتبقى الإضاءة على همام، ثم تنفتح الإضاءة بالتوالي على ثلاثة مستطيلات على الجدار يطل منها مذيعين ومذيعات يقدمون نشرات وتقارير إخبارية مختلفة تبث من ثلاث محطات تلفزيونية أجنبية “أمريكية وبريطانية وفرنسية”)

    محطة أمريكية. مذيع : أفادت آخر الأنباء الواردة من الشرق أن قوات الطاغية الجنرال همام ما زالت تشن حرباً ساحقة على المدن والمناطق الآمنة المتاخمة لحدوده الشمالية، وقد عبرت هذه القوات المضايق المائية والجزر المجاورة لها، وأبادت في طريقها قرى كاملة بما فيها من سكان مدنيين عزل، وقد رفض الطاغية همام كل التحذيرات الصادرة من مراكز القرار الدولي والتي طالبته بوجوب وقف هذه الحرب الغير شرعية والعودة إلى حدوده المعترف بها دولياً. وإليكم بعض النقاط الهامة في حياة هذا الديكتاتور الجديد والذي ربما كان آخر الديكتاتوريين في العالم:

    تسلم الحكم في بلاده بانقلاب عسكري ناجح أطاح بالحكومة السابقة. كان محبوباً من رفاقه لامتلاكه قدرات قيادية وخطابية واضحة مما مكنه في فترة قصيرة من الإمساك بمراكز القرار السياسي والاقتصادي والعسكري في البلاد، وقد عمل منذ بداية حكمه إلى سجن كل معارضيه وخصومه في الداخل، ونكل بهم وأعدم الكثير من رفاق الأمس، كما سحق بوحشية انتفاضة شعبية حاولت الإطاحة به. شن حربه الحالية بحجة استعادة الأرض والمياه والنفط. جيشه يعتبر من أقوى الجيوش البرية في المنطقة وهو يملك ترسانة هائلة من الأسلحة الجرثومية والبيولوجية والنووية المحرمة دولياً.

    قدمنا لكم هذا التقرير من المحطة الأولى في التلفزيون الوطني الأمريكي. إلى اللقاء.

    محطة بريطانية “مذيع”: أعزائي المشاهدين أحيكم من المحطة التاسعة في التلفزيون البريطاني وإليكم هذا التقرير الإخباري الهام: تفيد الأخبار الواردة من الشرق عن جرائم إبادة جماعية قام بها الديكتاتور همام بحق السكان المدنيين في الداخل والخارج. هذا وقد علمت قناتنا بوسائل خاصة عن وجود مقابر جماعية في مناطق مختلفة، وعن استعمال الطاغية لغازات كيميائية محرمة دولياً،

    ولقد امتلأت السجون بآلاف المعتقلين السياسيين. أما على جبهة القتال فالمعارك محتدمة وجيش الطاغية مازال يتقدم عشرات الكيلومترات في الأراضي المتاخمة ويرفض الانسحاب منها بالرغم من تحذيرات الدول العظمى، وربما تشهد الأيام المقبلة التوصل إلى قرار دولي نافذ بشن حرب رادعة ضد النظام وأركانه لمنعه من التمادي، ولإحقاق القانون الدولي والإنساني في تلك المنطقة من العالم.

    انتهى تقريرنا الموجز. نلتقي في نشرات قادمة مع كل جديد. إلى اللقاء.

    محطة فرنسية “مذيعة”: أعزائي المشاهدين أحيكم من المحطة الثالثة في التلفزيون الفرنسي وننتقل بكم إلى الشرق حيث ننقل لكم وعلى الهواء مباشرة هذا اللقاء الحصري مع الجنرال همام القائد المشرقي الذي دوخ العالم ولفت الأنظار إليه في كل مكان. إلى مراسلينا هناك وهذا اللقاء الخاص.

    (يدخل المسرح شخصان فرنسيان هما مراسلا القناة. أحدهما يحمل كاميرا فيديو على الكتف يقوم بالتصوير والآخر صحفي يحمل ميكروفون بيده لإجراء اللقاء مع همام)

    الصحفي: سيدي الجنرال! اسمح لي بداية أن أشكرك باسم مشاهدي القناة الثالثة على منحنا هذا اللقاء الحصري في حين أنكم رفضتم طلبات مماثلة لقنوات فضائية أخرى. هل نستطيع أن نعرف السبب سيدي الجنرال؟!

    همام: ببساطة. لأننا نشعر في هذا البلد أن الشعب الفرنسي هو الأقرب بمواقفه واعتداله إلينا من بقية شعوب مايسمى بالعالم الحر

    الصحفي: ونحن نقدر لكم هذا الشعور سيدي الجنرال. بداية سيدي ما هو ردكم على التقارير الإخبارية التي تؤكد وجود آلاف المعتقلين السياسيين في السجون، وبأن أحداً لايعرف مصيرهم، وبأن منظمات حقوق الإنسان لا يسمح لها بالاضطلاع على أوضاعهم؟؟!

    همام: أؤكد لك أيها الصحفي الفرنسي أن السجون عندنا لاتحوي إلا المجرمين والقتلة والمارقين على القانون، وأن معتقلي الرأي الآخر عددهم محدود جداً وهو ربما يكون أقل بكثير مما هو موجود فعلاً في أكثر الدول المتحضرة، وهؤلاء متورطون بأعمال عنف ضد النظام في هذا البلد وهم يخضعون إلى محاكمات عادلة في حين أنك تعلم مثلاً أنه في بداية الثورة الفرنسية عندكم امتلأت السجون بآلاف المعتقلين المناهضين لها، الشيء الذي كان مبرراً حينها. ونحن نجحنا في انقلابنا الثوري بعد سنوات من النضال والسجون والمنافي، ولكنا نشعر أن المحافظة على ديمومة واستمرار الانقلاب أصعب بكثير من الانقلاب نفسه.

    الصحفي: نشرت بعض الفضائيات الغربية مؤخراً صوراً لأقمار صناعية تبين بوضوح أن جيشكم سحق انتفاضة شعبية قامت في بعض المناطق، وأنه استخدم في ذلك غازات سامة محرمة. ما هو ردكم؟

    همام: هذه صور مفبركة. لا وجود لأية انتفاضة شعبية. لقد كانوا مجموعات متفرقة من المجرمين والخارجين على القانون مدعومين من أجهزة مخابرات خارجية، قاموا بأعمال تخريبية هدفها زعزعة الأمن. أما باقي الشعب فقد وقف معنا قلباً وقالباً، والدليل على ذلك الاستفتاء الشعبي الذي أجريناه بعد الأحداث والذي صوت فيه الشعب بنسبة بنعم فاقت التسعين بالمائة.

    الصحفي: والمقابر الجماعية! هل هي موجودة فعلاً سيدي الجنرال؟

    همام: المقابر موجودة فعلاً. وكيف تريدونا أن ندفن موتانا. ولكنها ليست مقابر جماعية (يضحك)

    الصحفي: اسمح لي سيدي الجنرال أن أسألكم عن الحرب الدائرة هذه الأيام. ما هو سبب إعلانكم لها وما هو موقفكم تجاه القرار الدولي القاضي بإخراجكم بالقوة من الأراضي التي احتلها جيشكم؟

    همام: بداية أقول هذه الأراضي لنا، وقد سلخت عن وطننا منذ عشرات السنين، ونحن الآن نعمل على عودتها لنا. هذه الحرب التي نخوضها حرب وطنية عادلة. ما أخذوه بالقوة سنعيده بالقوة. هذه عقيدة نؤمن بها ولن تخيفنا تهديدات العالم الحر. وبالنسبة للقرارات الدولية بهذا الشأن، نحن نرى أنها قرارات عمياء غير منصفة تخفي في طياتها مطامع استعمارية مبيتة، والهدف منها السيطرة على ثرواتنا والتحكم بقدرات الأمة، ونحن لن نسمح بذلك. الجيش والشعب يلتف بقوة حول قيادته، لذلك فقد قررنا خوض المعركة حتى نهايتها. ونحن واثقون من النصر الأكيد.

    الصحفي: ولكن المعركة غير متكافئة سيدي الجنرال، فالجيوش والأساطيل الحليفة تملك أحدث الأسلحة المتطورة ولا أظن جيشكم قادر على مجابهتها.

    همام: (يضحك) نعم هذا صحيح! ولكننا نملك الإيمان والعزيمة والإرادة والتصميم

    الصحفي: سؤال أخير سيدي الجنرال لو سمحت، واعذر لي وقاحتي. ألا تشعر بالخوف في هذه اللحظة؟

    همام: لم أعرف هذا الشعور في يوم من الأيام، ولكني في قلق دائم منذ أن كنت طالباً في المدرسة. أما اليوم فأنا أشعر أن الأمور تسير إلى نهاياتها المقدرة. امضي أيها الصحفي إلى وطنك ودعنا ننتظر ما قدر لنا، ولربما التقيتك ثانية بعد أن تضع الحرب أوزارها.

    (يخرج الصحفيان إلى الكواليس بصمت. همام يشعل سيجاره من جديد ويحدق النظر إلى نقطة معينة. تنطفئ الإضاءة في المسرح، ثم فجأة تلمع أضواء قوية ونسمع أصوات قذائف وصواريخ لمدة دقيقة واحدة، بعدها يقوم المخرج ومساعده بإسدال الستارة من الطرفين إيذاناً بانتهاء المشهد الثاني)

    المشهد الأخير

    (المحاكمة. القاضي هو زميل همام في الدراسة والذي ظهر في المشهد الأول، وهو الآن بماكياج معدل يظهر تقدمه في العمر مثال “نظارات، شاربين …الخ” يلبس لباس القاضي الأسود الرسمي ويضع عصابة سوداء على عينه. همام في حالة يرثى لها وهو معتقل مكبل اليدين وبلباس برتقالي كامل خاص بالمساجين. كاتب المحكمة يجلس إلى طاولة صغيرة يدون وقائع المحاكمة. جمهور صغير يجلس على كراس في أحد أطراف المسرح، بينهم تجلس بعض الشخصيات المعروفة من المشاهد السابقة مثل الأستاذ نور، المرأة التي سجنها همام لمدة ثلاث سنوات، الرفيق 1 والرفيق 2، والضابطين قائدي فرقتي المشاة نمور 1 و نمور 2. في صدر المحكمة شعار “العدل أساس الملك”، والعدالة ممثلة بامرأة معصوبة العينين وتحمل الميزان في يدها. على خشبة المسرح حركة نشطة من الفرقة استعداداً لتمثيل المشهد الأخير _ مشهد المحاكمة _ خليف يتعامل مع المشنقة بعصبية واضحة ويحاول تثبيتها جيداً على الأرض ولكنها ما زالت تميل إلى الأمام والخلف. الصحفي الفرنسي وزميله المصور حاضران في المشهد لنقل المحاكمة مباشرة على الهواء إلى التلفزيون. المخرج يبدو مضطرباً ويستعد لبدء البروفة)

    المخرج: (يقرأ) محاكمة الديكتاتور همام بعد سقوطه في قبضة الحلفاء. يالله يا شباب حضروا حالكن للبروفة. المشهد الأخير هوي أهم مشهد بالمسرحية. طلبي الوحيد انكن تلتزموا بالنص حرفياً. للمرة الأخيرة بقلكن مابدي حدا يرتجل من عندو. المحاكمة رح تكون علنية ومنقولة مباشرة ع التلفزيون (ويشير إلى الكاميرامان). المقولة الأساسية اللي رح توصلوها للجمهور هي انو الاستبداد لا يدوم وإنو العدالة عمياء ما بتميز بين شخص عادي صغير أو شخص مسؤول كبير. يالله يا شباب خدوا محلاتكن وخلونا نبلش (ويأخذ الجميع أماكنهم وتبدأ المحاكمة. الحاجب يصيح محكمة).

    القاضي: اسمك الكامل؟

    همام: الجنرال همام

    القاضي: سألتك عن اسمك فقط ولم أسألك عن رتبتك العسكرية

    همام: رتبتي العسكرية جزء لا يتجزأ من اسمي. ما زلت الجنرال همام حاكم هذه البلاد والقائد العام للجيش والقوات المسلحة.

    القاضي: هذا كان في الماضي. أنت الآن همام فقط المعتقل رقم 1 والمطلوب للعدالة الجديدة.

    همام: العدالة الجديدة؟! مصطلح جديد لم أسمع به ولم يكن على أيامي. ومن تكون أنت؟

    القاضي: أنا القاضي المخول بالتحقيق معك في الجرائم والتهم المنسوبة لك وتحقيق العدالة

    همام: قاضي بعين واحدة أمامي، وفوقي عدالة عمياء! يا لسخرية القدر. ولكن هل تعلم؟ أشعر أني أعرفك منذ أمد بعيد ولكن ذاكرتي لا تسعفني الآن

    القاضي: دع ذاكرتك الآن نائمة، فلن تفيدك يا همام. واكتب في أوراقك وقائع ساعاتك الأخيرة فلربما يكون لها في يوم ما قيمة ما.

    همام: شكراً … شكراً لأنك حرضت ذاكرتي. وأنا شخصياً أفضل الكتابة بقلم رصاصي (ينظر إلى القاضي بخبث)

    القاضي: دعك من هذه التلميحات السخيفة يا همام وأجب عن أسئلة المحكمة الموقرة بوضوح ودون زيادة أو نقصان.

    همام: وضوح … وضوح. نعم سأجيبك بوضوح، مع أني أشك بوضوح الصورة أمامك بعد هذه السنين الطويلة يا زميلي القديم؟!!!!

    القاضي: همام أيها المتعالي. أنت الآن أسير العدالة الجديدة وما زلت تتكلم بمنطق العهد البائد. سنرى كيف سترد على عشرات التهم الموجهة إليك من هذه المحكمة (ينظر في أوراقه) التهمة الأولى اعتقال الآلاف من الناس وسجنهم لسنوات طويلة دون محاكمة وتعذيبهم وملاحقة ذويهم والتنكيل بهم بأفظع الوسائل. بإمكانك الإجابة!

    همام: تهمة باطلة من محكمة باطلة، ولن تستطيع أنت ولا أمثالك أن تفهموا الظروف الموضوعية والذاتية لانقلابنا الثوري المظفر في تلك المرحلة. كنا ما زلنا نحبوا إلى الهدف المرسوم، والمسيرة شاقة ومعقدة. وأنت لن تستطيع أن تجبر الجميع أن يصعدوا إلى سفينتك الصغيرة وهي أصلاً غير قادرة على حمل الجميع. ولكني أؤكد لك أنا حاولنا تطبيق القانون بحذافيره.

    الرفيق 1: (ينتفض واقفاً) أي قانون هذا أيها المتكبر المتعجرف. لقد داس حذاؤك العسكري حتى علينا نحن رفاق الأمس. فلتسقط من التاريخ أيها الديكتاتور الأرعن!

    الرفيق 2: ظهر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. لقد دقت ساعة حسابك العسير أيها الطاغية همام! اليوم ستفرح نساءنا الثكلى والأرامل واليتامى. اليوم سيفرح الوطن أيها الخائن لعقيدة حزبنا العظيم.

    شخص من أنصار همام: لن تلينَ … لن تلينَ

    أيها المسكون فينا

    لن ترهبك رياح الردة

    فسنحميك بأيادينا

    شخص آخر: نحن قطيع سفينتك أيها الراعي الملهم. فليخسأ الخاسؤون، وليسقط الخونة والعملاء.

    القاضي: هدوء …هدوء .. ليجلس الجميع في أماكنهم وليتابعوا هذه المحاكمة العلنية دون تعليقات ومداخلات جانبية. لسنا هنا في مناظرة تلفزيونية، وأنا لن أسمح أن تتحول إلى مباراة كروية. أتابع سرد التهم الموجهة إلى المعتقل همام. سيد همام! أنت متهم بأنك جريت البلاد والعباد إلى حرب خارجية غير مبررة حصدت أرواح عشرات الآلاف من الناس المدنيين والعسكريين، وخربت الاقتصاد الأهلي وعطلت مشاريع التنمية وسببت الفقر والمجاعة لأعداد كبيرة من السكان. ما هو ردك على هذه التهمة؟

    همام: ردي هو أنك شخص يجهل حقائق الأرض والتاريخ، مع أنك كنت من الطلاب المتفوقين أيام الدراسة وخاصة في مادة التاريخ. فالحرب التي أعلناها كانت حرباً شعبية مقدسة هدفت إلى استعادة أرض ومياه لنا فيها حق تاريخي.

    القاضي: ولكن الغاية لا تبرر الوسيلة! هذه الحرب أزهقت أرواح آلاف الجنود بالإضافة إلى عشرات الألوف من المدنيين الذين نكلت بهم حاشيتك وزبانيتك من شرطة سرية ومخابرات ومرتزقة .

    همام: ما هو دليلك على ذلك؟

    القاضي: عندي هنا صور الجثث والمقابر الجماعية، وقد التقطتها الأقمار الصناعية وعدسات المراسلين والصحفيين الأجانب.

    همام: بإمكاني أن أحضر لك آلاف الصور لضحايا الحرب العالمية الثانية والتي هي برأي الألمان ضحايا عمليات قتل منظمة قام بها ستالين، في حين يؤكد الروس بأنها من ارتكاب هتلر وجهاز أمنه الجستابو، فمن نصدق؟؟ صدقنا الروس في وقت سابق لأنهم كانوا حلفاءنا، أما اليوم فالغالبية تميل إلى تصديق الرواية الألمانية ومن لف لفها. التاريخ يا زميلي سلاح ذو حدين وعليك أن تتجنب إمساكه من نصله الحاد لأنه سيجرحك، بل من الأفضل لك أن تمسكه من مقبضه!

    القاضي: نعم ولكن التاريخ قذف بصاحبيك هتلر و ستالين إلى المزبلة، ولا أظن أن مصيرك سيكون بأفضل من مصيرهما.

    همام: (يضحك) تقصد التاريخ الذي كتب بأياد مشبوهة، بنوايا مبيتة وبمصالح خاصة. نعم لقد فصلوا لنا التاريخ ورسموا حدود مزابله وجناته كما يشاؤون، ولكن هذه الرجالات بقيت حية في نفوس شعوبها وما زال الكثيرون يتحسرون على أيامها الماضية.

    القاضي: هل تلمح مثلاً إلى أن أشخاص مثل هتلر وستالين كانوا أسوياء ولم يكونوا بديكتاتوريين؟

    همام: كانا قائدين وطنيين عملا من أجل وطنيهما. خرجا من بين الشعب وعملا لصالح الشعب.

    القاضي: ولكنهما تحولا إلى ربين مطلقين يتحكمان بإرادة ورقاب العباد كما هو شأنك تماماً. كيف استطعتم أيها الديكتاتوريين أن تقنعوا الناس بأنكم آلهة “أستخفر الله”.

    همام: يا صديقي نحن لم نقنع الناس بأننا آلهة ولكن الناس أقنعتنا بأننا آلهة. هل ترى هذه الجماهير المحتشدة؟ أؤكد لك أنه لو عبر أمامها الآن موكباً للقائد هتلر لانتصبت القامات وارتفعت الأيادي فوق الرؤوس تحية له. ولو رفع الجنرال ستالين يده تحية لهم لبادلوه التحية بأحسن منها.

    القاضي: (يقهقه ويسخر) ما هذه الترهات؟ ما هذه السخافات؟ يبدو أن السجن قد سبب لك لوثة في عقلك. (في هذه الأثناء يصعد من بين الجمهور ممثلان يؤديان دوري هتلر وستالين بشكلهما ولباسهما المميز وهما يثرثران بصوت خافت. يمران أمام الجمهور فينتصب الجميع محيياً “هاي هتلر” ، “دا جيفيا ستالين”، فيردان التحية بالأيادي ثم يقفان بجوار همام أمام القاضي)

    هتلر: (مربتاً على كتف همام) همام!… همام! أيها الراعي المسكين! كيف استطاعت الرعية سجن راعيها؟! يا لهذا الزمن المقلوب! والله لو كنت أعلم بهذه الحالة المشينة التي وصلتَ إليها لما تجشمت عناء الخروج من رحم التاريخ لمؤازرتك ودعمك أيها الصديق الجديد، ولكن هذه المسرحية الفاشلة التي أعدوها لمحاكمتك، إنما أرادوا من خلالها محاكمتنا أيضاً. لذلك وجب علينا الحضور.

    يبدو أنك لم تتعلم من سيرتي التاريخية يا همام!. كان من الأجدر لك أن تنتحر من أن تقف هذه الوقفة الذليلة. كان عليك أن تفهم “كفاحي” فهماً إبداعياً خلاقاً، مع أنك قرأته عشرات المرات.

    ستالين: لا تقسو عليه يا غريمي هتلر! والله إن مصابه لأشد من أن يطاق (يناول همام سيجاراً) دخن يا همام! دخن عليها تنجلي يا صديقي. نحن معك في هذه المسرحية الغريبة حتى نهايتها.

    (ويشعل السيجار لهمام الذي يبدأ بالتدخين) بالمناسبة! أعجبني صمودكم في المعركة الأخيرة وذكرني بصمودنا الكبير في الفولغا و ستالينغراد!.

    القاضي: عجباً ..عجباً ماذا أرى؟! يبدو أن ما يجمعكم أيها الديكتاتوريين أكثر مما يفرقكم، ولكن هيهات أن تحققوا مبتغاكم. لقد قررنا نحن المستضعفين في هذه الساعات الحاسمة سحب البساط من تحت أقدامكم. فانتظروا حكم الشعب ولا تتعجلوا!

    همام: لقد فلقتنا بهذه المصطلحات الرنانة. حكم الشعب … العدالة الجديدة .. فهل تعتقد حقاً أنك ممثل للشعب؟ أنا بالشعب وبالشعب أنا، يخلق الشعب ويفنيهم أنا! (ويضرب على الطاولة بقبضته)

    القاضي: قويت شوكتك يا همام بوجود معلميك القديمين هتلر و ستالين! ولكن هون عليك، ودعك من هذه العصبية، فلن يفيدك شيء بعد الآن إلا اعترافك بكل الجرائم والتهم المنسوبة إليك! فلربما حينها تكون العقوبة مخففة.

    همام: (يدخن بشراهة. وبعد لحظات صمت يقول) هات ما عندك أيها القاضي، فما أنت إلا عبد مأمور! انطق بأحكامك المعدة مسبقاً والموضبة في مكاتب الأعداء فقد مل الجمهور ومللتُ معه من هذه المسرحية المهزلة.

    هتلر: همام أيها الحليف القادم من القرن الحادي والعشرين، اخرج من هذه المسرحية المرسومة، وحلق خارج الكلمات والنصوص المكتوبة!

    ستالين: اهرب من الفخاخ المنصوبة بين الكلمات يا همام، فقد فاحت من السطور رائحة نهايات سوداء.

    القاضي: همام أيها الديكتاتور المشرقي أجب بنعم أو لا!. هل أنت نادم؟

    همام: لا

    القاضي: هل تعترف بالجرائم المنسوبة إليك؟

    همام: لا

    القاضي: هل تعتذر لأهالي آلاف الضحايا؟

    همام: لا

    القاضي: إذاً لك الكلمة الأخيرة قبل أن تنطق المحكمة بالحكم!

    همام: لي رجاء أخير! أن تفكوا قيدي وتسمحوا لي بالمشي قليلاً!

    القاضي: لك هذا. فالمحكمة ديمقراطية وصدرها رحب.

    (بعد أن يفكوا قيده، همام ينتصب ويمشي أمام الجمهور، ثم يتوقف أمام المشنقة مراقباً ويبدأ بتلاوة مرافعته الأخيرة)

    همام: أنا إنسانّ مشرقي. على أرضٍ مشرقيةٍ ولدتْ، ومن شعبٍ مشرقيٍ خرجتْ. نادتني الجموع فلبيت النداء. صيروني رباناً لسفينةٍ تغرق. جعلوني راعياً لرعيةٍ تزهقْ. حملوني على الأكتاف. زرعوني تحت الأضلاع وفي الأفئدة. كانوا قوماً نياماً فأرادوني جسراً يعبرون من خلاله إلى واحة اليقظة. رسموني صوراً جميلةً فوق جدران المعامل والبيوت، وتماثيل عظيمةٍ في الساحات وتحت أشجار النخيل. صاروا يهتفون باسمي ليل نهار، وفي كل مناسبة وبدون مناسبة. ولأني إنسان مشرقي صدقت الرعية، ولبيت النداء. دخلت المسرحية كبطلٍ أوحدْ، وكنت أعلم أن فصولها ستمتد في الزمان والمكان. كنت أعلم أن مفاتيح اللعبة بيدي، ومصائر الممثلين بيدي، ووقائع الأحداث بيدي، ولكني _ وبصدقٍ أقول _ لم أتوقع هذه النهاية. كنت أعتقد أني أخوض معاركَ بلا نهايات. كنت أعتقد أني رجل الانتصارات. كنت أملك مفاتيح البدايات، أما النهايات _ ولأني مشرقي مؤمن _ فهي من عند ربي. إني لا أفهم يا قوم! كيف المشانق تعلقُ للقادة! وكيف الرعيةُ تحاكمُ السادة! أحتارُ منك يا زمناً صرنا نحن عباده! وصار الغازي يأتينا يسوس حصان طروادة!

    أيتها السيدات أيها السادة (ينظر إلى الشعب) شرقكم الآن في ميزان العدالة. شرقكم في الماضي قتل ساسته وأسياده. فإن أردتم الخير لهذا الشرق فعليكم سحق حصان طروادة!

    (لحظات صمت طويلة على المسرح)

    القاضي: (مصفقاً بسخرية واضحة) برافو … برافو! مرافعة شاعرية أحسدك عليها يا همام! ولكن هيهات أن تفلت من العقاب، فقد قال الشعب قولته، وهذه المشنقة تعبر عن ارادة الشعب، وحبلها بانتظارك! خذوه! ونفذوا فيه حكم الشعب! ولتمضي المسرحية إلى نهايتها المرسومة.

    (خليف يقود همام إلى المشنقة، ثم يلف الحبل حول رقبته . الجميع وقوفاً على خشبة المسرح بانتظار اللحظة الحاسمة. خليف يهم بدفع الكرسي من تحت الديكتاتور. فجأة تنقطع الاضاءة بشكل كامل، فتصدح موسيقى صاخبة ونسمع أصوات وهمهمات مختلفة. ثم تظهر دائرة ضوء كبيرة على المشنقة فقط فتبدو خالية من المشنوق وهي تميل يشدة إلى الأمام والخلف، لتسقط بقوة على الخشبة، ثم يضاء المسرح اضاءة كاملة والممثلون جمود لاحراك، بينما همام الآن خلف الكواليس. بعدها يتقدم المخرج ومساعد المخرج فيسحبان الستارة من الطرفين إيذاناً بانتهاء العرض).

    انتهى _ ماهر سلوم _ 18 | 8 | 2004 .

1 تعليق

اكتب تعليق

مدونات سقلب المجانية ماهر سلوم | www.maher.sqlb.net أنشىء مدونتك المجانية