• 18أغسطس

    يوميات عائلة سقلوبية

    العناوين:

    1- يوميات عائلة ………………………………

    2- يوميات عائلة ـ وليمة الأحد …………………

    3- يوميات عائلة ـ رحلة صيد ………………….

    4- يوميات عائلة ـ سهرة عيد الأم ……………….

    5- يوميات عائلة ـ سبت العازار ………………..

    6- يوميات عائلة ـ قمة على الانترنت ……………

    7- يوميات عائلة ـ سهرة مع ابن البلد ……………

    8- يوميات عائلة ـ ليلة وداعك بكيت النايات ……..

    * * *

    يوميات عائلة

    عائلة أبو جورج كبيرة، تسعة بين ذكور وإناث. كلهم متزوجون ولديهم عائلاتهم الصغيرة ماعدا آخر العنقود؛ وهم حاصلون على شهادات عليا ويعيشون في مدينة صغيرة هي أشبه أن تكون ضيعة كبيرة. أبو جورج دخل في العقد السادس من عمره الذي خط على جبينه خطوط التعب والشقاء، وهو الآن يعيش مع زوجته وابنه الشاب الأعزب في بيت متعدد الحجرات تبدو البساطة والأناقة عليه.

    يحلو لأبي جورج دائما أن يتذكر ويذكر زوجته بأنه حاصل على شهادة “السرتيفيكا” أيام الانتداب الفرنسي على سورية وهي برأيه تعادل أعلى الشهادات اليوم، وهو لذلك يعتبر نفسه قادرا على تفسير كل الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية القادمة إليه دون استئذان عبر القنوات الفضائية المختلفة التي يحرص كل الحرص على متابعتها مع زوجته كل مساء. فهاهي مطربته المفضلة تطل عليه من التلفاز هذه الليلة. إنها الحلوة العجرمية كما يحلو له أن يسميها، فما إن بدأت بالغناء والدلع والرقص حتى فاضت قريحة أبو جورج الشعرية فصاح بزهو أمام زوجته:

    أهذي عيون أم ترى هذه بحر أهذا حسام بنت عجرم أم خصر

    أسيبك آه00 ليتني كنت قادرا ومن ذا يطيق البعد فليخسأ الهجر

    فرمقته أم جورج بنظرة فضولية ولسان حالها يقول “اسكت ماخرجك غير بالحكي”.

    ثم وبعد أن فاضت العجرمية بالدلع الممزوج بالإثارة، تحول أبو جورج بقدرة قادر إلى زجال بعلبكي محترف وصاح:

    الكل بيروح الكل بيفل

    ومن كل صوت منسمعوا بينمل

    إلا صوتك ياسنيورة 000

    من شباك أذني بيطل

    وف جوا قلبي بيظل

    ومع انتهاء الأغنية قال أبو جورج وهو يتنهد: “الله يرحمك يا سيد عجرم – يقصد والد الفنانة نانسي عجرم – لقد خلفت أجمل مطربة، يا لهذه القوة الخارقة التي تملكها والتي مكنتها في فترة قصيرة من التوغل داخل مسامات الجمهور العربي! والله لو أجرت الفضائيات العربية استفتاء حول أفضل المطربين والمطربات لفازت الدلوعة نانسي بالمرتبة 1. ثم نظر أبو جورج إلى زوجته فوجدها نائمة فهزها من كتفها كي تفيق وسألها “شو نمتي يا مرا؟ غدا ماعندنا فيقة بكير”0

    فأجابت أم جورج: “بلا أنا عندي فيقة بكير لكي أستمع إلى السيدة فيروز صباحا وهي تغني كأنها تصلي معلنة بدء برامج الإذاعة السورية”0

    **************************

    يوميات عائلة ـ (وليمة الأحد)

    الربيع في مدينة أبو جورج له نكهة خاصة؛ لذلك هو يعتبره من أجمل فصول السنة، ففيه يشعر بالشباب والحيوية على الرغم من تقدمه بالعمر. كما أنه يعتقد أن أيام الآحاد هي من أجمل الأيام، وفي هذا المعنى دائما تراه يردد مقولته الشهيرة: “أجمل الآحاد تلك التي لم نعشها بعد”0 واليوم بالذات هو ثاني أحد من شهر آذار، وقد استعدت له العائلة أحسن استعداد، فالأبناء والبنات وأولادهم سيأتون إلى منزل أبو جورج لتمضية عطلة نهاية الأسبوع، وهي مناسبة له كي يمارس هوايته المفضلة أمام الجميع وهي تحضير التبولة وشي اللحم الذي يشتريه خصيصا لهذه المناسبة من صيادي المنطقة، ولا ينسى أبو جورج ليتر العرق البلدي المعتق، وهو يسميه “حليب السباع”، مع أنه يدوخ من الكأس الأولى.

    وما هي إلا لحظات حتى توافد الأحبة إلى المنزل، فتعالت الصيحات من كل زاوية واختلطت الأصوات بحركات الأطفال الشقية الصاخبة، فانتقل الجميع إلى السطح؛ المكان المفضل “لتعمير” المائدة التي صارت تمتلئ شيئا فشيئا بكل ما لذ وطاب.

    رفع أبو جورج الكأس البيضاء الأولى وشرب في صحة الجميع، وكان بين لحظة وأخرى ينقل أسياخ الكباب من المنقل إلى المائدة وهو يميل الطرف إلى أفواج الصبايا التي تمر أمام دارته في حركة انسيابية متثاقلة وهن يرتدين “ثياب موضة” تكشف عن مفاتن أنثوية هنا وهناك، حينها تذكر أبو جورج صاحبه المرحوم أبوتامر الذي خرج يوما إلى سوق المدينة وقد خلع “بيسته الحصنية” وكان يرد على ذهول وتساؤلات المارة بعبارة شهيرة: “إنها الموضة”!. وبعد أن شرب أبو جورج كأس العرق الأولى والأخيرة، فاضت قريحته الغنائية فأنشد العتابا وقال:

    بنات السمر الله كيف خلقين

    من وجودي يا عالم ضاق خلقين

    صاروا يحملوا ع الكتف خلقين

    جفونا بغير صوج ولا سبب

    ثم تحول بنظره إلى حرمه المصون أم جورج وقال:

    حبيب العمر ليمي تعالَ

    المتلك ليش ع المتلي تعالى

    سألتك ربنا الباري تعالى

    اهديني وين بيدقوا الاطناب

    أما السيدة أم جورج التي أطربتها و أسعدتها هذه العتابا السقلوبية فقد أنشدت تقول:

    سقلب ما بحياتو عار جالا

    المتلنا من صغره عاري جالا

    وسقلب اعتمادا عارجالا

    القدامى منهم والشباب

    وارتفعت الكؤوس في الهواء، وعلت الابتسامات والضحكات وجوه الجميع، وامتلأت الكؤوس من جديد بحليب السباع الأبيض إلا صديقنا أبو جورج الذي ملأ كأسه من شراب أسود ولسان حاله يقول: “مافي أطيب من البيبسي كولا”!!!.

    ***********************

    يوميات عائلة ـ (رحلة صيد)

    من الهوايات المفضلة للسيد أبي جورج، وقد جاوز الستين عاماً وأصبح في خريف العمر، لعبة النرد (الزهر) مع ثلة من أصحابه أثناء النهار، وصيد السمك ليلاً من السواقي والأفرع النهرية المنتشرة كشبكة عنكبوت في السهول المجاورة للمدينة. وهو يعتبر نفسه لاعباً “حريفاً ” وصياداً ماهراً لا يشق له غبار مع أن كل الدلائل والوقائع تشير إلى عكس ذلك تماماً. فقد بدأ ممارسة هاتين الهوايتين مؤخراً (على كبر)، مجبراً غير مخير، بعد أن فقد القدرة على ممارسة هوايته التاريخية الأصلية وهي صيد الوحوش البرية، هذه الموهبة التي يعترف له بها الصديق والعدو؛ والتي كادت يوما ما أن تودي بحياته عندما تعرض لإطلاق نار عن طريق الخطأ من أحد الصيادين الكامنين في مرابطهم ليلاً بانتظار طريدتهم، فكانت النتيجة رصاصات عمياء خرجت من فوهتي بارودة صيد صناعة روسية واستقرت في بطن الرجل بعد أن مزقت ثلث أمعائه. وقد أقسم أبو جورج يومها على ترك هذه الهواية إذا ما كتب له النجاة، وفعلاً بر بقسمه ووعده بعد أن استعاد عافيته؛ ولكنه بقي محتفظاً بسلاح الصيد معلقاً في منزله ,شاهداً على أيام جميلة ولت ولن تعود. وفي هذا اليوم الربيعي المشمس, وقد مالت شمس آذار نحو المغيب حضر الأصحاب إلى منزل الرجل مع كامل عدة الصيد من صنارات قصبية وطعم للأسماك و “كاسوحات” للزل والبردي المنتشر بكثرة على ضفاف الأنهار والسواقي, وقد وجدوا السيد أبا جورج منغمساً في لعبة زهر حامية الوطيس مع جار له في الحي وملامح الغضب والنرفزة بادية على محياه, ولسانه يلهث بكلمات تركية معربة من نوع “شيش بيش يا زهر! دو شيش يا زهر!” ولكن بلا طائل, فحبات الزهر تأبى إلا أن تستقر عند الـ”هبة يك” وفي أحسن الأحوال “دو يك”. فانتفض الرجل غاضباً وأسرع إلى بارودة الصيد المعلقة على الجدار وذخرها ووضع في فوهتي سبطانتها حبتي الزهر المشؤوم وأطلق النار في الهواء قائلاً بحنق: أبو الزهر على أبو الذي اخترعه. والله لو فتشتم عنه الآن لوجدتموه هبة يك!. ثم قام مسرعاً وتناول صنارة الصيد استعداداً للانطلاق مع أصحابه, وكان يأمل أن يوفق في صيد السمك بعد أن فشل في لعبة النرد. ولم ينسى أن يطلب من زوجته إحضار كريم طرد البعوض والحشرات؛ فدهن به وجهه ويديه على عجل وركب دراجته النارية طراز “SIMSON 76″ ألمانية الصنع وانطلق مع أصحابه الصيادين في موكب مهيب إلى “شقة الألمان” المكان المفضل لصيد السمك والسلور. وهناك بدأ الشباب بتوضيب مرابط الصيد, وكذلك فعل أبو جورج. وتوالت الساعات عليهم وهم في صراع حقيقي مع الأسماك التي علق بعضها في صنارات الصيادين, وبعضها الآخر نجح بالإفلات منها. أما صاحبنا فقد جافته جميع الأسماك وكأنها على خصام أزلي معه, ومما زاد في غضبه وحنقه أسراب البعوض التي غزت وجهه ويديه ورسمت فيها خريطة من الدمامل والحبوب لم ينفع معها كريم طرد الحشرات الذي كرر دهنه على جلده بين وقت وآخر. واستمرت الحالة على هذا المنوال حتى ساعة متأخرة من الليل حينما اكتفى الرجال بصيدهم الوفير, فركبوا دراجاتهم النارية عائدين إلى المدينة. والتقى الجميع أمام منزل أبي جورج لاستعراض غنائمهم من سمك وسلور, وأخذ كل واحد منهم يتفاخر ويتباهى بما اصطاد هذه الليلة. أما السيد أبو جورج فقد صب جام غضبه على كريم طرد الحشرات الغير فعال بنظره, فأخرجه من جعبته وهم برميه بعيداً, فتلقفه أحدهم, وعلى ضوء مصباحه الكهربائي قرأ ما كتب عليه ـ كريم لمعالجة البواسير والتشققات الشرجية!!.

    ***************************

    يوميات عائلة ـ (سهرة عيد الأم)

    يعتقد الكثيرون من الرجال، ومنهم صاحبنا السيد أبو جورج، أنهم خسروا “معركة” جديدة في “صراعهم” مع النساء بعد أن ترسخ عيد الأم في المجتمع كمناسبة ثابتة تتكرر كل عام في الحادي والعشرين من آذار، مع ما يرافقه من مظاهر احتفالية واضحة، تدفعهم أحيانا إلى الغيرة من نسائهم، ولكنها غيرة مبطنة بالحب. ولكن هذا الشعور لم يمنع صاحبنا في هذا العام من التحضير للاحتفال بالمناسبة في جو عائلي حميمي كما جرت العادة خلال السنوات العشرة الأخيرة، ولهذه الغاية قام منذ الصباح بتجهيز “عدة السهرة” من خضار وفواكه ومشروبات روحية وضعها كومة واحدة أمام زوجته المحتفى بها، وخرج من البيت ولم يعد حتى المساء. أما السيدة أم جورج فقد انغمست طوال النهار بتحضير الوجبات المختلفة من ورق العنب والكبة المقلية وشرائح اللحم والسمك المقلي والتبولة والسلطات والكنافة وغيرها الكثير. وعندما جاء المساء انعقدت السهرة العائلية بحضور الأبناء والبنات وأولادهم، وقد جاءوا جميعا محملين بالهدايا المختلفة وقدموها على طبق من حب إلى ست الحبايب أم جورج التي فاضت عيونها بالدموع وهي تقيس حذاءً هنا ومنديلاً مطرزاً وثوباً هناك. أما أبو جورج فقد كان يراقب هذه الطقوس العائلية من ركنه المفضل وهو ينفث دخان سيجارته الحمراء ويرتشف أحيانا من شراب العرق البلدي المنكه بطعم اليانسون، وأحيانا أخرى يداعب ساعته الإنكليزية القديمة حول معصمه. ثم نهض فجأة واقترب من زوجته مربتا على كتفها ومداعبا خصلات شعرها المنسدل من تحت “حطتها” السوداء المقصبة بخيوط من فضة كتاج ملكي وأنشد يقول:

    صرلي زمان نطر النبع ت يجان

    الغواني الواضعا ع الراس تيجان

    لو ماني رجيح العقل تيجان

    العقل من يوم شمشمة الرقاب

    أمس كانوا حدا مني يدرجون

    الخطا ومحزم على خصيرون يدرجون

    سقى الله يوم ناديلك يادارجون

    الغوالي الصرلون مدي غياب

    وفي لحظة وجدانية حزينة مرت في ذاكرة الرجل صور الغوالي الذين غيبهم البعد والفراق فالتفت إلى الحضور وقال:

    رح شق صدري وضمكم في داخلو

    ولملم جراحي، بمية مفتاح اقفلو

    وشعري الفلتو حزن عند فراقكم

    برجوعكم هاليوم بدي جدلو

    غنوا العتابا والشروقي والزلف

    ونغمة بلدنا غيرها لا تقبلوا

    وشدوا سروج الخيل واحموا هالديار

    والموت لو جا الموت أوعا تسألوا

    ثم خاطب الجميع متحدثا بصوت رخيم ومعبرا عن فلسفة حياتية خاصة امتلكها بعد عقود من الزمن بحلوه ومره: ياجماعة…! الحياة أنثى، والحرية أنثى، والأرض أنثى، والحقيقة أنثى. ولكن في المقابل الكراهية أيضا هي أنثى، والضغينة أنثى، والهزيمة أنثى. يعني أن المرأة هي وعاء لكل هذه التناقضات. فلو قدر لي أن أعيش بعمر سيدنا إبراهيم فلن أقدر أن أفهم هذا المخلوق المصنع من ضلعي المفقود. ولكن المرأة الأم هي كائن أحادي الشحنة، إيجابي القطب. المرأة الأم حب بلا كره، كرم بلا بخل، عطاء بلا تقتير، حقيقة مطلقة بلا تزييف. فاسمحوا لي بهذه المناسبة أن أطبع على جبين زوجتي المصون قبلة، عرفانا بالجميل وتقديرا لكل التضحيات والآلام.

    ثم ضم رأس زوجته بكلتي يديه، وهم بتقبيل “الحطة التاجية” فسقطت الساعة من معصمه وتناثرت أجزاؤها في كل مكان. فمدت الأم يدها إلى محزمها وأخرجت منه شيئا فضي اللون حلقي الشكل وثبتته بدلال واضح حول معصم الرجل وقالت باسمة: كل ساعة وأنت بخير يا أبا جورج.

    ************************

    يوميات عائلة ـ (سبت العازار)

    يعيش السيد أبو جورج في مدينة هادئة، خرجت لتوها من كنف ضيعة تاريخية عريقة كما تخرج دودة القز من شرانقها الحريرية. وهي لا تستعجل هذا الخروج، بل إن سكانها ما زالوا يتشبثون بعادات وطقوس تراثية جميلة غير آبهين بغزو الحضارة والعمران والعولمة وثورة الاتصالات الفضائية. كما إن الاحتفال بالأعياد الدينية قديم قدم المدينة وان تغيرت أساليبه وخفت شموليته. ومن هذه الأعياد عيد الفصح المجيد وما يسبقه من احتفالات وطقوس شعبية تمهد له وتجعل للربيع في المدينة نكهة خاصة ورائحة مميزة. ومن هذه الأيام المحببة لعائلة أبي جورج, والتي تشعره بفرح طفولي غامر، يوم السبت الذي يسبق عيد الفصح مباشرة بسبعة أيام والمسمى حسب التقويم الكنسي سبت العازار. وفيه يطوف الأطفال في جماعات منظمة على بيوت المدينة حاملين صور القديسين وسلال البيض ومنشدين ترنيمة:

    افرحي يا بيت عنيا نحوك وافى الإله

    من به الأموات تحيا كيف لا؟ وهو الحياة

    إن مرثا استقبلته ببكاء وعويل

    وشكت لما رأته شدة الحزن الطويل

    صرخت بالحال ربي أنت هو نعم الشفيق

    فأعني إن قلبي ذاب من فقد الشقيق

    إلى آخر هذه الترنيمة الجميلة والتي يحرص الأطفال على غنائها بصوت مرتفع أمام مداخل البيوت, لاعتقادهم أن الصوت العالي يزيد من حصتهم في البيض. وبعد تلاوة المقطع الأول، المليء بالأخطاء اللفظية، تخف نبرة أصواتهم وكل يتوكل على الآخر ظناً منه أن الآخر يحفظ الترنيمة بشكل أفضل منه ويخيب ظنهم ببعضهم فيتوقفون, ما عدا بعض الأصوات المنفردة, وعيون الجميع تراقب ظهور من يطل من وراء الباب يحمل لهم البيض أو السمنة, فإذا لم يظهر أحد أنشدوا قائلين بصوت لا يخلو من الحدة الممزوجة بالعتب:

    يا مرا قومي هاتي, قومي هاتي كم بيضة

    إن كنت عجوز مريضة بيشفيك ربي الفوقاني

    الله يكتر الجيجات حتى ناخد البيضات

    الله يكتر البقرات حتى ناخد السمنات

    وينتقل أطفال لعازر من بيت إلى بيت, ويسيرون وراء أكبرهم سناً أو حجماً, وبعد ساعات يتقاسموا حصيلة يومهم من البيض والنقود. وغالباً تحصل معهم الكثير من الأمور الطريفة المحببة على قلوب الكبار والمعبرة عن سذاجة طفولية بريئة، كأن يمتنع الطفل حامل النقود عن توزيعها بين الجميع في نهاية الجولة لاعتقاده أنها من حقه وحده دون غيره، أو أن يقوم الطفل حامل البيض ببيعه لإحدى سيدات البيوت طمعاً في زيادة الغلة من النقود. ومن الحوادث الطريفة أن أحدهم طلب من أمه العجوز أن تعطيه صورة أحد القديسين كي يرفعها في جولاته على البيوت، فسمحت له أن يأخذ إحدى الصور المعلقة على جدار الغرفة على أن يعيدها سالمةً، لكنها تفاجأت بعد ساعات باختفاء صورة زوجها التي كانت معلقة مع صور القديسين. طفل آخر رفع لوحةً ملونة تمثل فتاةً جميلة وهي تتحدث من هاتف جوال مع عبارة SyriaTel وعندما سأله أحد الكبار عن اسم هذه القديسة أجاب بعفوية: إنها مريم العذراء وهي تهاتف ابنها يسوع!.

    وفي هذا العام بالذات ترك سبت العازار في نفس السيد أبو جورج وزوجته فرحاً وبهجة عامرين, بعدما استقبلوا بحفاوة وكرم بالغين إحدى مجموعات الأطفال التي كان يرأسها ويتقدمها حفيدهم حنا البالغ من العمر سبع سنوات. وهو طفل بهي الطلة, أبيض الوجه, مشعث الشعر ومكتنز الجسم. جاء إلى منزل جده مع أصدقائه الأطفال حاملاً سلة البيض ومتثاقلاً في مشيته كالطاووس. فأدخلهم أبو جورج إلى صحن الدار وأجلسهم على كراس صغيرة وأخذ يستمع إلى إنشادهم الجميل, بينما قامت السيدة أم جورج بتوزيع البيض والنقود على الأطفال. ثم قص عليهم بأسلوب الحكواتي البسيط قصة لعازر ومعجزة السيد المسيح الذي أحياه من الموت بعد أربعة أيام من مماته في قرية بيت عنيا, بعدما توسلت له الأختان مريم ومرثا قائلتان: (يا سيد لو كنت هنا لما مات لعازر). فلما رآهم يسوع يبكون فاض قلبه بالأسى الشديد وسأل: (أين دفنتموه؟) فأجابوا: (تعال يا سيد وانظر), عندئذ بكى يسوع وقال: (ارفعوا الحجر) فقالت مرثا: (يا سيد هذا يومه الرابع, وقد أنتن) فقال يسوع: (ألم أقل لك: إن آمنت ترين مجد الله؟) ثم نادى بصوت عال: لعازر أخرج! فخرج الميت والأكفان تشد يديه ورجليه والمنديل يلف رأسه, فقال يسوع لمن حوله: (حلوه ودعوه يذهب)!. وبعد الانتهاء من هذه الرواية نهض السيد أبو جورج فضم حفيده الصغير حنا إلى صدره وغمره بحنان ورسم قبلة على خده مودعاً الأطفال إلى خارج الدار وهو يراقب سلة البيض الثقيلة في يد الطفل. وما هي إلا لحظات معدودة حتى سمع الجميع صوت ارتطام بالأرض وجلبة من الأصوات خارج المنزل. فخرج الجد مسرعاً ليتبين الأمر فوجد الحفيد وقد تعثر على باب الدار فسقط أرضاً وتناثرت البيضات وتكسرت. ولكن حنا الصغير حزن وغضب لشيء آخر تماماً ـ لقد جرده الأطفال من قيادة المجموعة وأعطوها لأطول طفل بعد أن كانت لأسمنهم.

    * ملاحظة: بعض المعلومات حول سبت العازار مأخوذة بتصرف من كتاب السقيلبية تاريخ وذاكرة لكاتبه الأستاذ أديب قوندراق.

    ***************************

    يوميات عائلة ـ (قمة على الإنترنت)

    الإحباط والسخط والنقمة، هي مشاعر يومية تغزو عقل وقلب السيد أبو جورج في هذه الأيام كغيره من الناس العامة الذين يتابعون كل ليلة من على شاشات الفضائيات العربية مشاهد القتل والتدمير في بلد عربي جار هو العراق. والغضب يتعاظم في قلبه من هذا الصمت العربي الرسمي والشعبي المطبق، وكأن الألسن العربية قطعت والأيدي العربية بترت والحلوق العربية يبست. ترى؟ هل ماتت الإرادة والعزيمة؟ ـ يتساءل الرجل. هل القمة العربية الموعودة عصية على الانعقاد إلى هذا الحد؟ ـ يستغرب الرجل. وماذا نقدر أن نفعل نحن عامة الشعب غير الفرجة على هذه المشاهد الدرامية من قتل للأطفال وتشويه للأعضاء البشرية وحصار للمدن المقاومة التي تعرضها الفضائيات في كل ساعة إخبارية وبشكل استعراضي مقزز؟ فقط نقدر أن نطفئ جهز التلفاز ونلوذ بالصمت ونهرب إلى ممارسة هواية أخرى غير الفرجة الرخيصة المفروضة علينا من سادة الإعلام والإعلان المشبوه. في هذه اللحظات العصيبة والمشاعر الحائرة قرر السيد أبو جورج أن يكتشف بنفسه جهاز الكمبيوتر الذي اشتراه ابنه الشاب مؤخراً وأحضره إلى المنزل، جالساً خلفه كل ليلة لساعات طويلة وهو يقلب في صفحاته متنقلاً بين مواقع الإنترنت المختلفة وغرف الدردشة الصوتية المتعددة. فانضم الأب إلى الابن في جلسة إنترنت أذهلته وفتحت في عقله مسارات للمعرفة والتسلية في آن. وبمساعدة ابنه الشاب المتعلم دهش أبو جورج من إمكانيات هذه الآلة الغير محدودة، ولكنه فوجئ أيضاً بأخبار ومشاهد قاسية كان قد هرب منها بإقفاله جهاز التلفاز وهاهي الآن تتبعه وكأنها على ثأر معه. ماهو الحل إذا؟ سأل الأب، وأجاب الابن: الحل أن ندخل دون استئذان إلى هذه الغرفة! وضغط بالمؤشر على منطقة المحادثة الصوتية في موقع عربي محلي أنشأه عدد من المهاجرين من أبناء البلد كهدية متواضعة لمدينتهم الجميلة، وكوسيلة للمحافظة على أواصر العلاقات والتواصل بين أبناء الداخل والمهجر، ففتحت نافذة في الجهاز وظهرت فيها عدة أسماء صريحة وأخرى مستعارة. أما أبو جورج فقد أبى أن يدخل الغرفة إلا باسمه الصريح. ودارت أحاديث ونقاشات طويلة بين زوار الغرفة شارك فيها الرجل بحرارة ومودة, وكان يرد على تساؤلات الجميع بطريقة شعبية محببة. أخبرهم عن احتفالات المدينة هذه الأيام بالعيد، عن أجراس الكنائس التي صدحت ليلة السبت معلنةً اقتراب ساعة قيام السيد المسيح، وعن جموع المصلين التي احتشدت داخل الكنيسة الجديدة حاملةً الشموع بهذه المناسبة ومصغيةً إلى صلوات الآباء والمرتلين، ثم كيف خرج الجميع إلى الفناء الخارجي للكنيسة دائرين حولها ثلاث دورات. لقد أقسم الرجل أنه شاهد شموع الحشود تنطفئ بفعل الريح إلا شمعة الكاهن في مقدمة الجمع بقيت وقادةً شاهدةً على حتمية القيامة واستمرارها في حياة الشعب.

    وتحدث الرجل أيضاً وبمحبة كبيرة عن أثنين الباعوث وكيف جال أهالي المدينة في شوارعها الرئيسية حاملين الأعلام والصلبان وصور القديسين مبتهجين بالقيامة ومرددين الأغاني الدينية الشعبية كما جرت العادة كل عام، ولكنه انتقد ندرة الأزياء الشعبية التراثية من المنظر العام للدورة. لقد اختفت تقريباً حطات النسوة السوداء التاجية الشكل والمقصية بخيوط فضية, وكذلك كوفيات (شملات) الرجال البيضاء اللون المطوقة بعقل حلقية سوداء منسدلة على الظهر والأرداف. كما فاض بالحديث عن طقوس عيد الفصح المجيد وعن المأكولات الخاصة التي يصنعنها سيدات البيوت هذه الأيام وبخاصة فطير العيد “المبسبس” واللحم بعجين وورق العنب والكبة المقلية، ولقد استمتع زوار الغرفة وخاصةً المغتربين منهم بهذه الحكايات المرتبطة في ذاكرتهم الغائرة بذكريات قديمة جميلة، وبعضهم تمنى مازحاً أن تتمكن الاختراعات الحديثة من إرسال المأكولات اللذيذة بالانترنت والبريد الإلكتروني. لكن أحد الداخلين إلى غرفة الدردشة باسم مستعار استطاع أن يجر السيد أبو جورج إلى حديث السياسة والأوضاع القلقة في المنطقة, فتفتق عقل هذا الأخير عن حل لمعضلة القمة العربية المؤجلة برأيه لأسباب تافهة تتعلق بمكان وقيادة القمة. فاقترح بهذا الشأن عقدها على الإنترنت، وبذلك يتم توفير الكثير من الأموال العربية المصروفة بسبب وغير سبب على الوفود المشاركة وتنقلاتها وأماكن إقامتها ومستلزمات اجتماعاتها الكثيرة من أطنان الورق والحبر والبيانات والخطب الرنانة، كما يتم تفادي الاحراجات المختلفة في توزيع مقاعد المشاركين في القمة. ولقد دهش الجميع لهذه الفكرة الطريفة للسيد أبي جورج. وفي نهاية هذه المحادثة الصوتية تساءل الشخص صاحب الاسم المستعار في أسلوب تهكمي ساخر معبراً عن شعور شعبي بدأ يتنامى عند الكثيرين من العامة: ياسادة ياكرام! نحن نعلم أن أعلى قمة في العالم هي قمة ايفرست على جبال الهيملايا , ولكن برأيكم..

    ماهي أوطئ قمة؟!.

    وعندما هم الجميع، ومن بينهم أبو جورج، بالإجابة على هذا السؤال الملغوم ظهرت رسالة على صدر الصفحة الرئيسية للموقع ـ تعذر الاتصال بمودم! المحاولة الأولى… المحاولة الثانية… المحاولة الثالثة…

    ترى هل تستطيعون التكهن بإجابة السيد أبي جورج؟؟.

    ***************************

    يوميات عائلة ـ (سهرة مع ابن البلد)

    في مدينة تكبر ولا تشيخ. مدينة شدت أرجلها ويديها وكل قطعة من جسمها بوثاق متين إلى الضيعة الأم الساكنة في رحم التاريخ، يعيش الرجل بطل هذه اليوميات وقد شاخ اليوم بعد أن دخل العقد السابع من عمره المترامي الأطراف ولكنه ما يزال محتفظاً بذاكرة وقادة لا تشيخ. ما زال محتفظاً بحيوية وحماس الشباب التي تدفعه مثلاً في كل مناسبة وبدون مناسبة إلى إنشاد العتابا أمام زوجته وغيرها من الأصحاب. هذه العتابا التي يحفظ منها الكثير ويجيد توظيفها في المكان والزمان المناسبين، وخاصةً قوله:

    شباب الكيف إن ظمأت تردني

    شبت و البيض ما عادت تردني

    سألتك ربنا الباري تردني

    لعمر ال 16 عهد الشباب

    ولهذا كله قرر السيد أبو جورج، وزوجته، هذه الليلة حضور الحفل الفني الساهر المقام في منتزه ومسبح عين الورد السياحي كفعالية سنوية تنظمها لجنة الأوقاف المسيحية في المدينة دعماً لبناء الكنيسة الجديدة، ومناسبةً لجمع التبرعات لهذه الغاية. لقد استعد الزوجان أحسن استعداد لهذه السهرة، فلبسا ثيابهما الشعبية الفلكلورية الجميلة وانطلقا مساءً إلى عين الورد، وفي الذاكرة تراقصت صور لأيام وأحداث قديمة ولت ولن تعود. فأبو جورج يعتبر مدينته هبة عين الورد، وهذا المنهل الخالد كان عاملاً حيوياً في قيامتها قديماً. لقد شرب منه وسقى فرسه الخضراء بطل الملحمة الشعبية سيرة بني هلال (دياب بن غانم)، فالساقية الممتدة من مصب المنهل باتجاه الغرب تعرف عند أبناء المدينة بساقية دياب حتى يومنا هذا، وعلى ضفاف هذه الساقية شبت نار العشق الأول في قلب السيد أبي جورج الذي كان في شبابه مواظباً على ارتياد هذا المكان في كل يوم سبت من الأسبوع للتلصص على الفتيات والسيدات اللواتي كن يغسلن الثياب على ضفاف السواقي الجارية، والبعض كن يستحممن أيضاً في الساقية بعد وضع رقيبات تنبهن في الوقت المناسب عن وجود قادم من بعيد، وتعيس الحظ من تسوقه قدماه في مثل تلك الأوقات إلى القرب من الساقية لأنه سيقع به عقاب معنوي وجسدي ولا أشد؛ وكم كان أبو جورج حينها من تعساء الحظ!!.

    دخلت العائلة إلى بهو المنتزه المكتظ بالناس لحضور السهرة الموعودة، وأخذت أماكنها على ضفاف بحيراته وبالقرب من نوافيره حيث الرطوبة منعشة للروح والأضواء الذهبية والملونة تذكر الندماء بما قاله الشعراء عن ليالي الأنس في فيينا. وبعد انطلاقة الحفلة وتلوي الصبايا والشباب على أنغام وأغاني مطربي المدينة الشعبيين فوجئ السيد أبو جورج وزوجته بصبية جميلة ترتدي زي المدينة التقليدي وهي تمشي الهوينى حاملةً في يدها ميكروفون ومن خلفها كاميرا فيديو وإضاءة مبهرة، واقتربت منه ترجوه بلطف زائد أن يسمح لها بإجراء مقابلة تلفزيونية معه لبثها على شاشة الفضائية السورية في اليوم التالي، فوافق الرجل دونما تردد بل، بزهو وشعور من العزة والاعتداد بالنفس. لقد فاضت قريحته الثقافية وهو يرد على أسئلة المذيعة الحسناء الآنسة وفاء الأسعد. أخبرها الكثير عن مدينته منبت الأبطال والمشاهير ومهد الجود والكرم، المتكئة على ذراع ذلك التل المنيع الثائر مع العصور الرابض في مكانه بشموخ وإباء يهزأ بكل من يأتيه غازياً, وأهلها قوم كرام طبعوا على الجود والكرم وخصهم المولى بأرض خصبة تفوق بجودتها أرض الميعاد، وغاطوسها خميلة من خمائل الدنيا، ومنهلها يسقي العطاش ماءً سلسبيلاً صافياً. ثم انتقل هذا الحوار الشيق إلى الحديث عن الزي الشعبي للرجل والمرأة في المدينة، وقد أجاد السيد أبو جورج في وصفه، فتكلم واصفاًً في البداية لباس السيدة ومستعيناً بزوجته الجالسة بقربه بكامل حلتها ولباسها الجميل. وصف (العصبة)، وهي نسيج من الحرير الأسود تتخلله خيوط الفضة البيضاء أو القصب المذهب تلف حول الرأس، و(الصفية) وهي ليرات ذهبية تثبت فوق الجبين وحول الصدغين، والمنديل الذي يغطي العصبة وهو من الحرير الطبيعي بلون أصفر فاتح، والفستان الطويل وهو في العادة من قماش المخمل الإنكليزي، والحزام من الحرير ويشد وسط المرأة. ثم انتقل بالوصف إلى لباسه التقليدي الذي يرتديه فوصف الحطة (الجمدانية) وهي نسيج قطني مبقع بالأبيض والأسود وتغطي الرأس ويتوضع فوقها العقال الأسود الدائري الشكل وهو مصنوع من شعر الماعز. كما وصف (القنباز) وهو رداء مفتوح من الأمام يرد طرفه الأيمن على الجانب الأيسر ويثبت عند العنق بزرين متجاورين، وتحت القنباز سروالاً من نسيج الأزارق الأبيض، وفوقه (السلطة) وهي قماش من الجوخ الأسود، ويشد الوسط بحزام عريض من الصوف الأحمر. وفي نهاية هذه المقابلة التلفزيونية تمنى السيد أبو جورج على المذيعة الجميلة أن تسمح له بتلاوة قصيدة جميلة محببة إلى قلبه، وفيها قال:

    خلي موال العتابا ع فرشة آخ يغفيني

    وخلي الميجنا البرية من عز النوم تصحيني

    خدي مني أحلى ضحكة بعمري الماضي

    وخدي ها الباقي من سنيني

    وما بدي منك ياضيعة

    إلا تضلي للفرح ، وللشغل مدينة

    وبدي… شو بستحي قلك!؟

    ربع ما بحبك حبيني.

    وفي صباح اليوم التالي سارعت العائلة إلى متابعة حلقة خاصة عن مدينة خاصة عرضتها الفضائية السورية لساعة من الزمن. ومع فنجان قهوة صباحي بدأ يحتسيه السيد أبو جورج مع زوجته المصون أخذ يتابع الصور والمشاهد، وقد كان مزهواً بنفسه حتى أنه صرح لزوجته بمشروع خطير راوده الآن بعد أصبح نجماً تلفزيونياً أو سوبر كما يقال بلغة الأجانب ـ لقد قرر أن يشترك في برنامج سوبر ستار أو ستار أكاديمي! وهو واثق من فوزه بالمركز الأول. فانتفضت السيدة أم جورج كمن أدهشته الفكرة وقالت: رجلي على رجلك!. لكنه رد بتهكم وطرافة: نحن معاً لا نصلح كثنائي في هكذا برامج. ربما من الأفضل أن نشترك في برنامج آخر من شاكلة الاتجاه المعاكس!.

    ** ملاحظة: بعض المعلومات في المقال منقولة بتصرف من كتاب السقيلبية تاريخ وذاكرة لكاتبه الأستاذ أديب قوندراق. مع الشكر

    ***************************

    يوميات عائلة ـ (ليلة وداعك بكيت النايات ..)

    في صباح نيساني مميز. صباح لا يشبه بأية حال من الأحوال صباحات شهر نوار الجميل، شهر الخضرة والنضارة والجمال، وعرائش النسرين ورقص الأقحوان، وعودة السنونو المبشرة بالخير والحب والأمان، وكأن هذا الصباح قد سرق من شهر خريفي كئيب. في هذا الصباح المشئوم توفيت الأم والأخت والزوجة ورفيقة الكفاح الطويل السيدة أم جورج عن عمر ناهز السادسة و الخمسين حولاً اثر مرض عضال ألم بها مؤخراً ونجح في نهاية صراع مرير معها أن يقذف بها إلى أحضان الموت. هذا الوحش الأزلي الذي يميت ولا يموت، يقهر ولا يقهر. نامت السيدة ليلتها النيسانية الأخيرة دون أن تتمكن في الصباح التالي من ممارسة عادتها القديمة بتقديم الشاي المنكه بطعم القرفة لزوجها ورفيق دربها السيد أبو جورج، الذي كان وقع المصيبة عليه عظيماً. لقد شعر الرجل بثقل كبير يضغط على صدره ويمنعه حتى من النطق والبكاء، ولكن عقله الباطن دخل في عتاب ممزوج بالغضب مع نيسان الذي فيه اختطفت يد القدر رفيقة عمره فعاتبه بصمت:

    يا شهر الشين مانك من حرتنا

    لو انك من حارتنا ما انحرتنا

    حقدنا عا ربيعك من حرتنا

    وغدا نيسان ميزان الغضب.

    سجي جثمان الفقيدة فوق سرير في وسط ساحة الدار التي امتلأت بالحشود من الرجال والنساء أبناء المدينة الحزينة، وأحيط الرأس بشتى أنواع الزهور والورود وجلست النسوة بشكل دائري حول الجثمان وهن ينحبن بالبكاء وسط دق الصدور براحات الأكف وعويل يقطعه بين الحين والآخر صوت غناء حزين تؤديه الناحبات اللاتي عرفن بأصواتهن المؤثرة في تعميق الحزن:

    الدهر ما نكب غيري ولا لام

    وعجب ما جمع بشملي ولا لم

    يتيم اصبحت لا بياً ولا لام

    حزين ودمعة عيوني سكاب.

    جذور الحزن ها لكبرت ونامت

    بعيون الما غفت ليله ونامت

    يا ريتن ع الحيا بقيو ونا مت

    ويهلوا من دموعن ع التراب.

    تركتني يا عشير العمر ومضيت

    وعلى ضيمي ختمت الورق ومضيت

    كل ما مزنة بالأفق ومضيت

    أقول رسول جاي من الحباب.

    يا عيني اتركي دمعاتك مسيلي

    غزيرة مشكلي أكبر مسيلي

    وينسمة رفرفي بجنحك مسي لي

    القبور وعاودي بحفنة تراب.

    وعندما انتصف النهار وضع الجثمان المكفن في نعش خشبي (تابوت) ثبت عليه مجسم للصليب وعلى كل زاوية من زواياه مجسم لصورة ملاك مجنح، ثم نقله المشيعون إلى الكنيسة الجديدة حيث صلى عليه الكاهن أمام هيكل الرب صلاةً جنائزيةً حزينة. بعدها أكمل الموكب طريقه إلى المقبرة حيث ووري جثمان الفقيدة أمام ناظري الزوج المفجوع الذي لم ينبس ببنت شفة حتى الآن، وقد تقبل التعازي بعدها من الجموع في شرود وذهول غريب. وعندما عاد وحيداً إلى دارته، دخل غرفة نومه وأوصد الباب على نفسه غارقاً في ليل حالك طويل ومنصتاً بلا اهتمام إلى صوت غراب يأتيه من بعيد عبر النافذة وغاص في عقله الباطن إلى مساحات زمنية قديمة، مستعرضاً شريط حياته الطويل مع زوجته الفقيدة وأسلوبه في التعامل معها خلال عشرتهما الطويلة ـ

    إن الأسلوب الذي كان يعامل به زوجته يصلح لأن يكون مادةً دراسيةً في مدارس خاصة تعلم الرجال فن الزواج!. انه رجل ابن ضيعة لكنه عامل امرأته وكأنه لورد بريطاني. لقد جاء بها من بيت أبيها وهي في السادسة عشرة من عمرها، وكان هو في العشرين، وقد اعتبرها أميرة بيته. أنجبت له تلك الصبية، التي سرعان ماأصبحت امرأة، تسعة أولاد بين ذكور وإناث. وعلى الرغم من العدد الكبير للأسرة، واتساع مشكلاتها واحتياجاتها، فقد كانت الكلمة العليا للوالدة، وكان الوالد لا يتخذ قراراً من القرارات المهمة من دون استشارتها. كانت تقدم له الشاي في كل صباح في صينية تشتمل على ما قسم به الله من نعمة. وكان الطعام متواضعاً في السنوات الأولى، ثم صارت صينية الأب تقدم أفخر أنواع الطيور والأسماك. “صينية الأب” هكذا كان اسمها. وبقدر ما احترمها وأحسن معاملتها ودللها وأحاطها بالمحبة والرعاية، بقدر ما قابلته هي بالإكرام والخدمة والاحترام والود العميق. كانت تسميه “خيي” وكان يناديها “خيتي”، وتقول جاء خيي وسافر خيي، وخيي مشغول البال على محصول الحنطة هذا العام وخيي عنده شوية برد عافاه المسيح. وكان الجميع يفهم أن المقصود هو الزوج وأنها لم تجد لفظةً أشد تحبباً لمناداته من “خيي”. وعندما كانت تأتيه بصينية الشاي تغمز له من تحت حطتها التاجية وكان هو يستغرق في الضحك، بسبب إشارتها إليه، ويستدير إلى أبنائه وبناته ويقول: “خيتي تريدني أن أحتسي الشاي من دون صوت… خيتي تعلمت الأتيكيت من أين لا أدري؟”. لم ينهرها يوماً، ولم يرفع صوته عليها، ولا يده، ولم يتذمر من عاداتها، ولم يبخل عليها بشيء تطلبه من قبل أن تطلبه، ولهذا بدا طفلاً يتيماً بعد رحيلها، يتجول في أرجاء البيت يبحث عنها، ولا يغمض له جفن، ولا تقبل نفسه طعاماً، يسأل عن “خيتي”، عن زوجة تناديه “خيي” ويعرف أنه ذاهب لملاقاتها عما قريب!.

    ** ملاحظة أخيرة:

    في نهاية هذه اليوميات الطويلة لا بد لي من شكر كل الذين قرؤوها باهتمام، والذين سجلوا تعليقهم عليها كتابةً أو مهاتفةً، والذين شجعوني في البداية على الاستمرار، والكتاب الذين أخذت من كتبهم كثيراً من الأفكار والجمل دون إذن مسبق ولكن بنية صافية، والمرضى الذين قادهم حظهم العاثر إلى صيدليتي لابتياع الدواء أثناء كتابتي بعض الفصول فلم يلقوا العناية والاهتمام المناسبين. والشكر الأول والأخير لملهمتي وملهمتكم ـ مدينتنا الحبيبة السقيلبية.

    ماهر سلوم – السقيلبية – 28 / 4 / 2004.

اكتب تعليق

مدونات سقلب المجانية ماهر سلوم | www.maher.sqlb.net أنشىء مدونتك المجانية