أُبي حسن ـ كلنا شركاء
لا جديد في قولنا إن المُعارضة السياسية, في أي بلد كان, هي حاجة مجتمعية قبل أن تكون غاية سياسية. ووجود المُعارضة في هذا المجتمع أو ذاك, دليل على صحة وعافية المجتمع الحاضن لها وللنظام الذي تعارضه, في الوقت نفسه. وبقدر ما تكون المُعارضة نتاج ثقافة مُعافاة قدر ما تُثبت وجودها (الإيجابي) والاستمرار في هذا الوجود.
وعملياً, نجد المجتمعات الغربية التي نفترض أنها محصنة من أمراضنا المجتمعية -نحن أبناء الشرق-, قد انتصر فيها المواطن بما له من حقوق وما عليه من واجبات. وكان من شأن انتصار المواطن (كمفهوم) أن انتصرت السياسة بما هي شأن عام, وبحديها الموالي/السلطة, والمُعارض. وباعتبار أن ثمة شروطاً صحية عايشها الغرب عبر سيرورة تاريخية, كان من ثمارها أن انتصر المواطن بحديه, لذا فإن الحد
الأول منه(السلطة) لم يكن ينظر إلى المنصب بوصفه باب استرزاق ومنفعة شخصية, وإلى المُعارض باعتباره مارقاً أو خائناً أو عميلاً. وقل الأمر ذاته في الحد الثاني(المُعارض) الذي لا يعتبر من في السلطة مرتزقاً ونهّاباً للمال العام, بل مؤتمن عليه وعلى مصالح ومرافق عامة. لذا يجد أن مراقبته –من قبل خصومه- خلال تأديته لمهامه ضرورة, وبالآتي سيتقبّل النقد الموجّه إليه.
ولأن المواطن انتصر في الغرب, فمن الطبيعي أن نجد في مجتمعاته تداولاً سلمياً للسلطة, فمن يكون اليوم في الحكم قد يصبح في الغد معارضة, وهكذا دواليك. وهذا كله نفتقد ونفتقر إليه في المجتمعات العربية (والناطقة بها) خاصة, والإسلامية عامة.
من البدهي إن الأنظمة الحاكمة في الغرب هي والأحزاب التي تعارضها ينتمون إلى قماشة ثقافية واحدة, فمثلاً الثقافة التي أنجبت الحزب الديمقراطي الحاكم(راهناً) في الولايات المتحدة الأمريكية, هي ذاتها الثقافة التي أنتجت الحزب الجمهوري المُعارض له, وقُل الأمر ذاته في بقية دول أوربا الغربية وأمريكا اللاتينية أو معظمها. طبعاً, ونحن هنا في الشرق, سلطات ومعارضات, ننتمي إلى قماشة ثقافية واحدة, بيد أنها نقيض القماشة الغربية. ففي بلد كلبنان على سبيل المثال لا الحصر, يكون الولاء فيه للطوائف وزعمائها قبل أن يكون للبنان الوطن!
إذاً, ما سبق ذكره, لا ينطبق بحال من الأحوال على المجتمعين العربي والإسلامي, باستثناء بؤر خجولة غير ناضجة ومكتملة مثال تركيا, بيد أن التجربة التركية ستبدو في منتهى النضج والاكتمال في ظل غياب أمثلة أخرى مشابهة لها في العالمين العربي والإسلامي, نسوق ذلك بالرغم من اعتقادنا بأن الذي جعل تركيا مثالاً معقولاً ومقبولاً هو العلمانية الأتاتوركية, وليس التراث الإسلامي للإمبراطورية العثمانية.
وإذا ما ألقينا نظرة خاطفة على ما يُسمى بالخليج العربي شرقاً, وصولاً إلى المحيط الأطلسي غرباً, من دون أن نغفل باكستان وإيران(لنضع “ديمقراطيتها” المزعومة جنباً) وأفغانستان وبنغلاديش.. الخ, سيكون من المُحال أن نجد في هذه المساحات الجغرافية, على الرغم من اتساعها, مجتمعات ناضجة تتقبل الاختلاف والتباين, وتتعامل معه كمصدر غنى لها لا بوصفه مدعاة للتنابذ, وتؤمن به –أي الاختلاف- كحق راسخ, من شأنه أن يؤهلها للعيش في بيئات صحية على المستوين الإنساني والسياسي, بما يخولها الانخراط في السياسة من حيث هي علم لإحياء الشعوب, لا باعتبارها تكتيكاً آنياً للفوز بالسلطة المنظور إليها بوصفها “غنيمة”.
إذاً, المجتمعات التي جُبلنا بها, وعُركنا بثقافتها حتى التخمة, هي مجتمعات تتكئ إلى موروث يفتقد رحمه التاريخي إلى مفاهيم احترام حرية الرأي وحرية الاختلاف والتعدد.. الخ, عدا عن كونها مجتمعات استعذبت طعم الاستبداد نتيجة سببين. الأول منهما: باعتبار أن كينونة موروثها الثقافي قائمة عليه. ثانياً: جرّاء معايشتها لاحتلالات عدة طوال قرون, ما يعني أنها كانت(وما تزال) تتوارث الاستبداد, ما جعلها, شيئاً فشيئاً تستعذب(ربما باللاوعي) طعمه وان كانت بالوعي تقارعه وترفضه. في ظل هكذا صورة(لا نُغبط عليها) كان من الطبيعي أن تبتلى المنطقة التي نعني بأنظمة مُستبدة, وبالتالي بمُعارضات سياسية أكثر استبداداً من الأنظمة التي تقمعها.
أضف إلى ما سبق, إنه في ظل أنظمة الاستبداد ستضطر المُعارضات للعيش تحت الأرض, وفي الظل والخفاء, وستجبر للعمل كالخفافيش(ليلاً) وليس في وضح النهار, وسراً لا علناً.. الخ, ما من شأنه أن يؤدي إلى عدم نضج تجاربها, ناهيك عن حالات التشوه التي تعتريها بسبب الملاحقات والقمع المتواصلين. ولأنها معارضات يستحيل أن تصل إلى هرم السلطة بطرق شرعية وسلمية(في ظل منظومة ثقافية مهترئة) فمن الطبيعي أن تمارس هي الأخرى الاستبداد داخل منظومتها الحزبية الضيقة.
وإذا كان من الصحيح القول إن السلطة تُفسد(أو مفسدة) في ظل أوضاع كأوضاعنا, فمن الصحيح القول أيضاً إن أمر تداولها من شأنه أن يقلل من مفاسدها وبالآتي نسبة الفساد, باعتبار أن أجهزة الدولة ستعمل تلقائياً بما فيها من تفتيش ورقابة ومُساءلة بما يوفر مناخاً معقولاً لنمو الشفافية على نقيض أنظمة الاستبداد. أجواء كهذه –إذا ما توفرت- ستساهم أيضاً في التخفيف من استبداد المعارضات, وستعمل على تهذيبها بشكل أوتوماتيكي, فضلاً عن تهذيب المعارضات لذاتها من خلال الممارسة في ظروف صحية, والانخراط في الحقل العام بطرق سلمية وسليمة لا يخترقها قانون طوارئ أو باب سدّ الذرائع(وفقاً للتسميات الإسلامية), وهي معارضات لن تفكّر حينذاك في الوصول إلى السلطة عن طريق الانقلاب العسكري.
وإذا ما وصلنا إلى ما ننشده, من المستبعد أن نسمع الحادثة التالية التي أختم بها, وأسمح لنفسي بذكرها هنا, بعد المعذرة من القارئ. فربما كان في طياتها ما يغنينا عن كتابة صفحات.
ذات يوم من خريف 2005 كنتُ أجلس ليلاً في مطعم فندق “الفلامينكو” في القاهرة/الزمالك, حيث كنتُ أشارك في ورشة عمل لها صلة بالحقل العام. في مطعم الفندق المذكور كنت أشرب المتة, جالستُ ضابط أمن الكروب الذي كنتُ في عداده, وخلال حديثنا ليلاً, أفادني بما يلي: “أنا مقدم في المباحث المصرية, وزوجتي مذيعة في إحدى قنوات التلفزة المصرية. منذ قرابة العامين(وكان الحديث 2005) شاركتُ في ملاحقة عصابة, وأثناء مطاردتنا لأفرادها أطلقت النار بالخطأ على أحد المدنيين, فأرديته قتيلا. دفعتُ دية القتيل, ودخلتُ السجن لمدة عام. صادف أن الزنزانة التي وضعوني فيها هي ذاتها الزنزانة التي فيها المفكّر سعد الدين إبراهيم(وقد كان مسجوناً سنتذاك)”. سألته: ماذا كان انطباعك عن الأستاذ سعد؟ أجاب: “احترمته جداً, وأعجبت بثقافته وتواضعه كثيراً, لكن لم يكن يصدق أن وجودي أنا في الزنزانة كان بسبب تهمة قتل ارتكبتها, ومحاكمة حوكمت بها. بل بقي حتى اللحظة الأخيرة من سجني, الذي كانت مدته عاماً كاملاً, يعتقد أن سببه كي أتجسس عليه وأراقبه في الزنزانة!”.








اكتب تعليق