• 11مارس

    حنا مينه ـ تشرين

    قالت عنان أبصرتني شاحباً يا بكْرُ مالك قد علاك شحوبُ

    فأجبتها: يا أخت لم يلق الذي لا قيت إلا المبتلى أيوبُ ‏

    القلم الأصيل في شرف الكلمة, أصيل في الدفاع عنها, وما الكلمة, بدءاً موصوفاً, وختاماً مفترضاً, إلا الحق والخير والجمال, وأتوقف عند الحق, لأنه الأعلى, والأغلى, وبه يكون الخير خيراً, والجمال جمالاً, وإلاّ ضاعا في عتمة الليل الذي هو مدركي, وأن خلتُ أن المنتأى عنه واسع قولة النابغة الذبياني, وسورية, هذا البلد الذي تكوّن ثورياً في رَحِم التاريخ, ولد ثورياً من رَحِم التاريخ أيضاً. ‏

    فحقّ عليه الكفاح وفاءً لتاريخه, الذي ما خاب فيه أمل, ولا انزاح عن صراطه المستقيم, حتى في عصف الرياح, أو التوق منه شكيمة, في النائبات, حلقة بعد حلقة, متصلات وفق المبدأ العلمي, الداحض للتراكم المثالي, وفق نظرية الطبري, وتأريخه المعروف, وما تخللته من ثغرات. ‏

    إن الضغوط, والافتراءات, مستترة أو مستعلنة, لن تنال من سورية, لا لأن الحق يسطع في مواقفها فحسب, بل لأن الحق يكشف الباطل, مهما يستتر, والصمود الصخري, في ثوابتها, يهزم كل منكرة تحاول النيل منها, وكي يبقى هذا الصمود صخرياً, قادراً على درء الخطر, من الجهات الأربع, لا بد من الاتعاظ بما كان, وما جرى لعبد الناصر, الذي لم يؤمن بالشعب بل بالأجهزة, وعندما قال, بعد هزيمة حزيران, (انتهت دولة المباحث) كان الوقت اللازم قد فات, والوقت, في مسيل الزمن, لا يرحم المتخلف عن مواكبته, وعلينا, حكّاماً ومحكومين, ان نكون صريحين في قيلة الحق في وقتها, لا بعد فوات أوانها, فالقدرة الاقتصادية التي تتقدم غيرها, ويبني عليها هذا الغير, يحسن بنا أن نتعامل معها كأساس, كقوة, كرافعة سياسية, داخلياً وخارجياً, داخلياً لأن الشعب يتطلب مقومات عيشه الكريم, والمتواضع في مثل ظروفنا الصعبة, من خلال هذه الرافعة السياسية, وخارجياً لأن قوة الداخل, هي وحدها التي تتيح لهذه الرافعة أن تكون فاعلة بامتياز في حالتين: الفعل ورد الفعل, وقد ارتهن العرب جميعاً, وطويلاً, لرد الفعل, وآن لهم أن ينتقلوا إلى الفعل, لا في الاجتراء على الجهر بالحقيقة, مهما تكن القوة الضاغطة متغطرسة بقوتها, بل أيضاً مهما تكن الافتراءات صادرة, ظلماً, من هذه الجهة أو تلك, اقليمياً ودولياً, مع ملاحظة شديدة الأهمية, هي ألا نكون ميكيافلّيين, ولا باكونيين, فالسياسة لا تبرر الغاية مهما تكن الوسيلة بالمطلق, ولا تنتفع بالفوضوية الباكونية بالمطلق أيضاً, وفي كل الأحوال علينا أن ندرك أن السياسة, بغير دهاء, أو شيء من الدهاء, ليست بالسياسة الحكيمة دائماً, أو النافعة دائماً, فالاغبياء وحدهم مَن يكشفون أوراقهم, أو لا يفطنون إلى أهمية تقدير قوة أوراق عدوهم, ومحاولة سبر ما في سرائر الغير, وسد الطريق على هذا الغير في الاطلاع على سرائرنا, وهذه عملية معقدة, ومن المهارة, سياسياً, تفكيك ما هو معقد, وهذا من بدهيات التعاطي السياسي, خارجياً خصوصاً, وأشد خصوصية داخلياً أيضاً, بسبب أن الداخل, هو المرتكز لقوة الخارج, ومنها يستمد فاعليته! ‏

    إنني لا أسعى إلى التنظير, رغم أنني أسبح منذ ستين عاماً, كسكمة في بحر السياسة بسبب ظروف قاهرة, سواء في مقاومة الاستعمار الفرنسي, أو رفض الخضوع لحكم الاقطاع أيام جميل مردم بك وأمثاله ويطيب لي, هنا, ان أذكّر أن للكتابة سلطتها, حين تكون هذه الكتابة في خدمة الوطن والشعب, لا خدمة الحكومات التي تجيء وتذهب, وثمة تعارض دائم, بين سلطة الكتابة وسلطة الحكومة, ما دامت الكتابة, في حد الحد, استئنافاً دائماً ضد ما هو كائن, في سبيل الأفضل الذي سيكون, إضافة إلى أن الحركة هي الاتساق مع مجرى التغيير, وضد السكون, ضد الاستقرار المستنقعي الذي يضرّ الوطن والشعب, ويخالف المبدأ الحركي الدافع إلى أمام دائماً.‏

    التصنيفات: غير مصنف
    لا تعليقات

اكتب تعليق

مدونات سقلب المجانية ماهر سلوم أنشىء مدونتك المجانية