المحامي ميشال شماس ـ كلنا شركاء
ليس جديداً القول أن الوسطية والانفتاح والاعتدال التي كانت تتميز بها سورية عن باقي الدول العربية منذ أوائل القرن الماضي باتت مهددة اليوم ،بفعل تصاعد المد الديني المتعصب الآخذ في الانتشار داخل المجتمع السوري الذي كان حتى وقت قريب مثالاً للانفتاح والاعتدال بعيداً عن التعصب، والأمثلة على ذلك كثيرة، أشار إلى بعضها مؤخراً العديد من الكتاب والمفكرين وفي مقدمهم السيدة الدكتورة بثينة شعبان المستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية التي قيل أنها حذرت في مؤتمر دمشق لحزب البعث أواخر العام الماضي من المد الديني بقولها:” هناك مد ديني متعصب في البلد حقيقة، ويجب علينا أن نفهم أن هذا المد هو نتيجة فشلنا وليس نتيجة
نشاط الآخرين لأنه حين يوجد الفراغ السياسي فلا بد للآخرين أن يملئوا هذا الفراغ”.وأضافت ” أن هذا المد لم يكن موجودا في السبعينات من القرن الماضي “، وما أشار إليه الكاتب وائل السواح في مقالته المنشورة على موقع الأوان في أوائل الشهر الحالي بعنوان ” “سورية تتجه أصولياً:” يمكن إحصاء مئات الأمثلة على توجه المجتمع السوري أصولا، بمباركة من الحكومة أحيانا. النقاب الغريب عن سورية والإسلام الشامي- نسبة لبلاد الشام التي عرف الإسلام فيها خلال قرون بالاعتدال والتسامح والبراغماتية المعتدل – ينتشر في سورية انتشار النار في الهشيم. الرقابة تشدد قبضتها يوما بعد يوم على نشر الكتب التي تناقش قضايا علمانية وعقلانية، ووزارة الثقافة المؤتمنة على الثقافة تلعب أكثر فأكثر دور الرقيب على هذه الكتب، بعد أن لعبت لعقود طويلة دورا تنويريا بامتياز، بإشراف عميد المنورين السوريين الفيلسوف السوري الراحل أنطون مقدسي، ومتابعة المفكر والباحث محمد كامل الخطيب”.
ويمكن أن نشير أيضاً في هذا السياق إلى ظواهر أخرى تؤكد على تعاظم النفوذ الديني هو ما شهدته سورية العام الماضي من محاولات فرض قانون أحوال شخصية بنفحة طالبانية، والذي تم إيقافه من قبل مقام رئاسة الجمهورية بعد حملة كبيرة من السوريات والسوريين، والترويج لجماعة الشيخ عبد الهادي الباني التي تؤمن بقيام أمة إسلامية ولا تؤمن بقيام أمة عربية ولا تؤمن بتحرير المرأة وتدعو إلى بقائها في البيت وتعتبر وجود التلفزيون في المنزل حراماً ، وقبلها الهجوم على التعليم المختط ومحاولة منعه،وانتشار المكتبات التي تدل بوضوح على انتمائها الديني، وقد عاينت بنفسي أكثر من مكتبة تعرف عن نفسها بلوحة صغيرة وأحياناً كبيرة كتب عليها عبارة “مكتبة مسيحية، أو مكتبة أسلامية”. كما عاينت بنفسي لوحات طرقية داخل مدينة دمشق تدعو إلى تحجب المرأة بشكل مباشر من خلال كتابة عبارات مثل :” سيدتي حجابك تاجك ، أو سيدتي أناقتك في حجابك ” وأخيراً ليس أخراً ما قيل عن إلغاء انعقاد مؤتمر العلمانية في المشرق في دورته الثانية بدمشق بعد اعتذار رئاسة جامعة دمشق من استضافته بحجة عطل تقني في أجهزة الصوت، وبعد أن رفضت وزارة الثقافة كافة اقتراحات المنظمين لأمكنة بديلة كانت متاحة في ذات التاريخ ,وفق البيان الصادر عن الجهة المنظمة للمؤتمر.
يجري كل ذلك بكل أسف في الوقت الذي أخذت فيه دول عربية عرفت بانغلاقها وتشددها ودعمها للفكر الوهابي تتجه اليوم إلى مزيد من الانفتاح في المجتمع كالسماح بالاختلاط بين الجنسين في المدارس والجامعات والسماح للمرأة بقيادة السيارة والحد من تدخل رجال الدين في سياسة الدولة سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو التعليمية.
نقول هذا الكلام لحرصنا على أن تبقى سورية مميزة في تسامحها واعتدالها ووسطيتها، لأن الخطر لو أن ما يجري اليوم في سورية من مد ديني متعصب ترك تُرك أمره للتجاهل أو التغافل أو للمخاوف سيجعل المشهد السوري كله سوف يختلف حضارياً وإنسانياً، وسوف يصبح على وجه التأكيد أكثر فقراً وظلمةً واقل ثراء مما هي عليه الآن ومما كانت عليه من قبل.
أقول هذا الكلام ليس لأنني ضد أي دور لرجل الدين، بل على العكس من ذلك فأنا مع الدور الحقيقي والصحيح لرجل الدين الذي يجب أن يؤديه داخل الكنيسة أو الجامع وأينما كان، من خلال التوجيه للمجتمع والالتزام بمنظومة القيم الأخلاقية والوطنية في مقاومة الاحتلال والوقوف بوجه الانحراف والفساد بكافة أشكاله سواء كان في السلطة أم في المجتمع والسعي لتحرر المجتمع من سطوة الجهل والظلم..الخ. وليس مع أي دور لرجل الدين
الذي يريد أن يأخذنا بفتاويه وأدعيته المليئة بالكراهية نحو التشدد والتطرف وكره الأخر المختلف.
أمام هذا الواقع كيف نحافظ على قيمنا السورية في التسامح والمحبة والاعتدال والوسطية في وسط هذا المد الديني الذي نراه ونلمسه في كل يوم وكل ساعة؟ الحل برأيي هو في اعتماد مناهج تحارب التطرف والانغلاق والرأي الوحيد الكاره الآخر وتحصن شبابنا وأولادنا دينياً وفكرياً وثقافياً وإعلامياً في مواجهة هذه الانفلات الإعلامي القادم عبر الفضائيات والانترنيت والفتاوى والخطب التي أشبعتنا تحريماً وتحليلاً. والعمل الجدي على نشر ثقافة قبول الإنسان الآخر المختلف واحترامه واستخدام كل الوسائل التربوية والإعلامية والثقافية المتاحة،وعدم الاكتفاء بالخطابات العاطفية والمجاملات من فوق. بل يجب العمل من أسفل الدرج صعوداً إلى قمته، بما يساهم في إزالة الأحكام والتصورات المسبقة عن الإنسان الآخر، والسعي لتعلم وفهم ذلك الإنسان المختلف وقبوله، بما يؤدي في النهاية إلى مزيد من التجانس بين أبناء الوطن الذين يتشاركون معاً في هذه الأرض منذ ما يزيد عن الآلف وأربعمائة سنة، والعمل أيضاً على توسيع مجال المشاركة السياسية على أسس قانونية منظمة،وإطلاق عملية التنمية بشكل أعم وأشمل ومتوازن. على قاعدة الكفاءة والمواطنة وبغض النظر عن أي انتماء سياسي أو أديني أو عرقي.








اكتب تعليق