إذا أردت أن تعيش بهدوء وسكينة وسلام، ما عليك إلا أن “تطنّش” (أي أن ترمي وراء ظهرك ما تسمع أو تشاهد أو تقرأ أو يُنقل إليك)..
“التطنيش”، يا أخي، أصبح اليوم وسيلة الأكثرية المطلقة (حتى لا نقول الساحقة) من الشباب السوري..
“التطنيش” (وهذه الكلمة مستعملة حصراً في لهجة أهالي الشام، ولا يوجد ما يوازيها في فصيح لغتنا العربية) سلوك شبابي عصري أفرزته العولمة الزاحفة كالهشيم في النار.. هذه العولمة سريعة فوق العادة إلى درجةٍ لا تسمح فيها للعقل بالتفكر والتفكير.
على سبيل المثال لا الحصر: سيل المصطلحات الهاجمة (في السياسة والثقافة والإعلام.. الخ) ديناميكي متبدل بسرعة كبيرة تمنع المتلقي من التشبث بها (الثبات عليها بالمطلق)، ليبدو أمام الآخرين بلا رأي ثابت (وربما يتهم بالديماغوجية أو الوصولية أو في أحسن الأحوال بالتذبذب في المواقف). هذه المصطلحات، والحديث عنها والدفاع عنها والتنظير لها، تحولت إلى موضة بحسب الموسم المعمول على تعميمه (بدأ الموسم أولاً بالحديث عن الديمقراطية، ولم ينتهي بمحاربة الإرهاب، ومرّ بحقوق الإنسان والحريات ومحاربة الفساد. ولا ندري سمات المواسم القادمة).
هذه البلبلة الفكرية المقصودة، يضاف إليها عجز الإيديولوجيات التقليدية في البلد، هي مما دفع معظم الشباب إلى إتباع “التطنيش” كبديل عن المواجهة والالتزام ووجع الرأس والأعصاب.
لقد جرب هؤلاء الشباب، ولعقود طويلة خلت، العقائد الجامدة والمصطلحات الثابتة والشعارات الساكنة، فكانت النتيجة نوبات من الانكسارات المتلاحقة والهزائم المتراكمة!!
من جهة ثانية، وإذا ما كان شعار “المطنشين”: “طنّش تعش تنتعش”، فإن فريقاً آخراً ما زال يصر على رفض الشعار السابق، باعتماده “التفكير” سلاحاً للمواجهة: “أنا أفكر إذاً أنا موجود”.
أنا شخصياً أقرب إلى فريق “المفكرين” منه إلى فريق “المطنشين” مع اعتمادي شعاراً خاصاً لا يجلب سوى الهم والمتاعب، ألا وهو: “أنا أشك إذاً أنا موجود”.
الشك في كل شيء، من أصغر معلومة إلى أكبرها.. من أضعف نظرية إلى أقواها.. من أوضح المخططات إلى أعقدها.. من كل الشعارات السابقة والحالية واللاحقة.. ومن كل كلمة أو تصريح أو خطاب أو بيان أو إعلان أو تحليل سياسي. وباختصار شديد: الشك في كل المعلومات ومصادر المعلومات (حتى ولو ثبت العكس!!).. شكٌّ لا يقطعه اليقينُ؛ لأن اليقينَ نسبيٌّ كما هي كل الأشياء في هذه الحياة!!
الشك، في شكله الجديد هذا، صيغة مطورة عن شكله القديم من حيث هو منهج فلسفي للمحاكمة والتحليل والاستقراء. الشك القديم (الديكارتي) قد يساعدك في الوصول للحقيقة، أما الجديد فهو أصلاً لا يؤمن بوجود الحقيقة.. الحقيقة في عرفه سراب أو وهم أو، في أحسن الأحوال، نصف حقيقة على أبعد تقدير!!
انطلاقاً مما ذُكر أعلاه، سنحاول أدناه تجريب نظرية “الشك المعدلة” على أرض الواقع:
قال لنا الغرب: الديمقراطية أرقى أشكال الحكم.
قلنا لهم: الديمقراطية ليست أكثر من وسيلة لتجنب الطغيان، ولكنها وسيلة غير ناجعة في كثير من الأحيان!. المبدأ، الذي يعطي الحق المطلق للأغلبية بالحكم والتصرف، مبدأ لا ديمقراطي، لأن الأغلبية قد ترتكب أخطاء فادحة، كأن تنصب طاغية في الحكم!!
قال لنا الأمريكان: العرب يستحقون الديمقراطية. نريد نشرها على هذه الأرض.
قلنا لهم: ديمقراطيتكم مرقٌ شهي لا يقاوم؛ ولكنكم تريدون سكبه على لحمٍ فاسد!!.. اللحم الفاسد لا ينكَّه، والمرق الشهي لا يسمن ولا يغني من جوع!
قال لنا الأشقاء: الديمقراطية اللبنانية رائدة في المشرق، وجيراننا شموليون.
قلنا لهم: “الديمقراطية التوافقية” صيغة معدلة عن “العائلية”؛ وإنا لها رافضون وإن بقينا شموليين!
قال لنا “الصامدون والممانعون”: أمريكا خسرت في العراق.
قلنا لهم: وهل تقسيم العراق الواحد إلى ثلاث دويلات (أكراد ـ سنّة ـ شيعة) خسارة أم نجاح؟!
قال لنا المعارضون: الحريات في البلد مقموعة، ويجب إلغاء حالة الطوارئ.
قلنا لهم: الأمن أولاً والحريات ثانياً.. أعطونا بلداً نظيفاً من الأصولية والأصوليين وخذوا ما يدهشكم من الحريات!
قالت لنا الحكومة: تجاوزنا سبع سنوات عجاف بعد اعتمادنا “اقتصاد السوق الاجتماعي”، والسنوات السبع القادمة ستكون سمان إن شاء الله.
قلنا لها: وإن لم يشاء الله؟!
قال لنا السيد: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله!
قلنا في سرنا: وهل أبقت الحكومة في جيوبنا شيئاً لنعطيه؟!.. أما الله فلا يكلّف نفساً إلا وسعها!
وأخيراً، قال لنا “الرفاق”: المرحلة دقيقة، والمؤامرة خطيرة. ندعو جميع الكادحين (بسواعدهم وأدمغتهم) إلى الوحدة واليقظة، والحذر من فئتي المطنشين والمشككين، والعمل على إسقاط كل المشاريع المشبوهة وصولاً إلى بناء دولة العمال والفلاحين النظيفة من الفاسدين والمفسدين!!
وأخيراً، قلنا لهم: بعد بيانكم (القديم الجديد) هذا، نقص المشككون واحد، وزاد المطنشون واحد!… ودمتم!!
* * *
ماهر سلوم








اكتب تعليق