(1)
صديقتي كنتِ ومازلتِ.. بحثتُ عنكِ أربعين عاماً وما وجدتكِ.. ملّتِ الطرقُ من حذائيَ المثقوب، فتركتُ شبابي على الرصيف كتابٌ مفتوحٌ لا يقرأه أحد.
وصلتُ إلى الحضيض فلا شيء يخيفني..
أحب الغناء والضحك، ولكني لا أقدر على الكلام بعد أن تجمدتُ في متحف.
صديقتي كنتِ ولا أعرفكِ، وتعرفين أن بلادي مقبرة..
جاءنا الحزبيون من كل العقائد الكبرى.. تركوا بياناتهم وشعاراتهم وأوساخهم على كل شبرٍ أخضر. وبعضهم ترك أزهاراً.
ما يحدث أكبر من طاقتي على التحمل.. لا بد لي من فقدان الذاكرة إذاً.
في غيابكِ ينخر الفراغ في عظمي، ويتحول الضجر إلى قصعةٍ من عشب.
كتبتُ لكِ بياني الأول ولا من مجيب. ضاعتِ السنونُ والرسالة لم تصل..
أكبر مهزلة في الألفية الثالثة أن نكتب للحرية!
أكبر مصيبة في التاريخ أن نكتب لغائبٍ لن يأتِ.
(2)
المسافة الفاصلة بين ابتسامة أمي ووجه الإله شاسعة
أمي كائنٌ ماديٌ ناقصٌ كما يقال
أما الإله فهو كائنٌ كاملٌ كما يقال
لكني اكتشفت اليوم أن ابتسامة أمي المدرجة بتجاعيد الوجه،
تعلن تفصيلاً كمال الإله!
(3)
بعد أربعين سنة
مازالت أمي تناديني باسم أخي الصغير لأنها اعتادت غيابي.
بعد أربعين سنة
مازالت أمي غيمةً..
تنزف دمعاً عندما تفرح
ودمعاً عندما تحزن.
بعد أربعين سنة
مازلت ولدها العاق
ومازالت صرختها تضج في أعماق أعماقي:
أنا لا أنزف مطراً، فلا تطعنني لتسميني الغيمة!!
(4)
إذا أردت أن تعشق الحياة فلا بد أن تعشق الموت أيضا..
الحياة والموت توأمان لا ينفصلان.
إذا رغبت أن تولد من جديد، فلا بد لك أولاً من أن تموت..
وإذا شئت أن تهبط على صدر الأرض الناهد، فلا بد لك قبل ذلك من أن تطير وتحلق.
كيف لك أن تسترجع ابتسامتك المفقودة قبل أن تعرف مرارة البكاء!
وكيف تنعم بقرب الحبيب إذا أنت لم تذق آهات اللوعة والفراق؟!
أنت إنسانٌ إذاً!.. ولكن
ما يمنعك من التشبه بطائر الفينيق؟
* * *
ماهر سلوم








اكتب تعليق