• 29أكتوبر

    لوفيجارو

    في أقل من عام، نجحت الأجهزة الأمنية اللبنانية في تفكيك شبكات تجسس تعمل لصالح إسرائيل أهمها شبكات محمود رافع، وعلي ويوسف الجراح، ومروان فقيه، والعميد المتقاعد في الأمن العام أديب العلم وزوجته. انتقلت الحرب العسكرية المباشرة بين لبنان وإسرائيل إلى مرحلة أخرى فاجأت الدولة العبرية بضربات عدة موجعة تمثلت في سقوط شبكات التجسس الإسرائيلية في لبنان الواحدة تلو الأخرى، الأمر الذي أصاب قادتها بصدمة بالغة.

    محرر الشؤون الاستخباراتية في صحيفة “هآرتس” يوسي ميلمان كتب في هذا السياق “إن الأنباء الواردة من لبنان عن اكتشاف شبكات تجسس لا تبشّر بالخير”، منبهاً من أن “اكتشافها يعرّض شبكات أخرى للخطر ويزيد من تيقّظ »حزب الله«، الذي تضعه الاستخبارات الإسرائيلية على رأس سلم أولويّاتها” مضيفاً إن “شيئاً غريباً يحدث في لبنان، فخلال نصف عام تقريباً، كشفت أجهزة الأمن اللبنانية ثلاث شبكات تجسس عملت لمصلحة إسرائيل، بحسب تقارير أجنبية، فيما الموساد كعادته، لم يعلّق على هذه الأنباء، ولا يجدر بأحد أن يتوقع صدور تعليق منه إذ إنه سيترك المتورطين

    لحالهم، وعلى الإسرائيليين أن يكتفوا بالتقارير الصادرة عن وسائل الإعلام اللبنانية والعربية، التي تستقي معلوماتها من السلطات اللبنانية، وأحياناً من حزب الله، الشريك الفعال في التحقيقات الأمنية التي تجري في لبنان”.

    وأكد أن “حزب الله هو حالياً الهدف الرئيسي لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ويعدّ جمع المعلومات عنه في المرتبة الأولى لديها، وبالتالي فإن جمع معلومات عن البرنامج النووي الإيراني وسبل إحباطه، يأتي في الدرجة الثانية من الاهتمام الاستخباراتي الإسرائيلي”.

    وفي أحدث تقرير إعلامي غربي بعنوان “بيروت، وكر الجواسيس”، كشف أدريان جولم، موفد “لوفيغارو” الخاص إلى بيروت عن تفاصيل تلك الشبكات وكيفية عملها والخيوط التي أدت إلى كشفها، مشيراً إلى خيط رفيع ربط بين اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وإلقاء القبض على المتعاملين مع إسرائيل واضعاً كل ذلك في إطار حرب استخباراتية تنخرط فيها كل الأجهزة المخابراتية وتدور رحاها في بيروت.

    * بيروت، وكر جواسيس .. حرب استخباراتية تدور بين الأجهزة الأمنية السورية وحزب الله والموساد الإسرائيلي ووكالة الاستخبارات الأميركية وكثير غيرها مركزها العاصمة اللبنانية بيروت:

    كانت برلين عاصمة الحرب الباردة، بحسب رواية الكاتب البريطاني الشهير جون لو كاريه “الرجل الآتي من الصقيع” أو فيينا في رواية “الرجل الثالث” ، لأن أحداثها الأساسية تدور في مدينة فيينا، عاصمة النمسا، خلال السنوات التالية مباشرة للحرب العالمية الثانية، في وقت كانت فيينا نقطة اللقاء/الصدام المحورية بين سياسات “الشرق” وسياسات “الغرب”، وكانت مملوءة بالعملاء السريين التابعين للطرفين معاً، وكذلك بعملاء يشتغلون في الوقت نفسه لمصلحة الطرفين.

    الحرب السرية التي تدور في الشرق الأوسط الآن، مركزها بيروت. جواسيس غربيون عملاء إيرانيون، أجهزة أمنية سورية، ناشطون في حزب الله، عملاء للـ”موساد”، للـ”سي آي أيه” و لوكالات أخرى، يتصارعون في حرب غامضة. يهللون لانتصاراتهم في بعض الأحيان ويتكتمون عن هزائمهم دائماً.

    *النكسة الأكبر للاستخبارات الإسرائيلية:

    في حرب الظل هذه، تكبدت أجهزة المخابرات الإسرائيلية، خلال هذا العام، في لبنان، واحدة من أكبر النكسات في تاريخها. كما كان يفترض، لم يصدر أي تعليق من المسؤولين الإسرائيليين على تفكيك إحدى أكبر شبكاتهم التجسسية في بلد عربي.

    أعداد العملاء غير مسبوقة. أكثر من 70 لبنانياً مشتبه بتعاملهم لصالح إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة. اعتقل أربعون ولا تزال السلطات اللبنانية تبحث عن ثلاثين آخرين. بعضهم تمكن من الفرار، منهم من سافر جواً إلى جهة مجهولة، ومنهم من عبر الحدود بين البلدين، (فعلياً في حالة حرب منذ 1949) وآخرون أوقفوا نشاطهم الأمني.

    بخلاف أسياد التجسس في الروايات، ينتمي أعضاء هذه الشبكات إلى عالم أقل بريقاً من المخابرات الميدانية. مهن صغيرة، خلايا مستقلة مهمتها جمع المعلومات المجتزأة، إعداد ملفات الأهداف أو متابعة التحركات اليومية للعدو. من بين هؤلاء، خلايا نائمة منذ سنوات طويلة، واللافت أن الطوائف اللبنانية مجتمعة تتمثل فيها: مسيحيون، سنة، شيعة، من جنوب لبنان من البقاع ومن بيروت.

    * مصر وسوريا تحت المجهر:

    بعضهم يعمل لحساب إسرائيل منذ سنوات، أحيانا منذ 1980، يقول أشرف ريفي، مدير عام قوى الأمن الداخلي الذي قام بجزء كبير من الاعتقالات.

    ويضيف “تم تجنيدهم من قبل العدو لأسباب مختلفة: مالية، عقائدية أو نفسية. لدينا بعض حالات الابتزاز أو الاستغلال الجنسي أو غير ذلك. أضف إلى ذلك، أن ثمة عاملاً لا يمكن تجاهله على الأرض، يتمثل بوجود الشريط الحدودي في جنوب لبنان في فترة سابقة، وهو ما دفع بالمواطنين إلى التعامل لأسباب غالبها نفسية انطلاقاً من وجود المحتل الإسرائيلي على أرضنا ما أدى بطريقة أو بأخرى إلى تطبيع أرض الواقع ومعه المواطن، ما جعل الإسرائيلي يتمتع بقدرة أكبر أدت إلى تغطيس بعض شبابنا بالتعامل معه«.

    »ما هو مؤكد، أنها ضربة موجعة للإسرائيليين وانتصار محقق للأمن اللبناني”، يعلق مصدر ديبلوماسي غربي في بيروت. من المحتمل أنه بعد “نصف الفشل” خلال حرب تموز/ يوليو 2006 والتي كانوا يعتمدون فيها على المعلومات الجوية والتكنولوجية، بالغ الإسرائيليون بالطلب من عملائهم، ودفعوهم للمجازفة في إعادة تشكيل لوائح أهدافهم. لكن الواضح أن هذه الاعتقالات هي أساساً نتيجة جهد غير مسبوق لقوات الأمن اللبنانية«.

    كما هي الحال في معظم هذه المسائل، من الصعب الفصل بين الخيوط المتشابكة، لا سيما في لبنان حيث يحافظ حزب الله، الدولة ضمن الدولة، على أجهزته الخاصة في مكافحة التجسس ويتعاون، أحياناً، مع أجهزة الدولة المليئة بالعملاء والضباط الموالين لسورية على الرغم من إمساك إدارتها من قبل عناصر موالية لرفيق الحريري، بخاصة قوى الأمن الداخلي، منذ الانسحاب السوري من لبنان.

    *اوري لوبراني: المرحلة الذهبية

    يضيف الديبلوماسي الغربي أن “العنصر المحرك هو بالتأكيد وعي حزب الله لمدى التغلغل الإسرائيلي”. حزب الله كتنظيم سري غامض ومجنون عظمة، بنى أمنه على تجنيد كوادر الطائفة الشيعية وتلقى ضربة قاسية باغتيال قائد جناحه العسكري عماد مغنية، في دمشق، في شباط/ فبراير 2008. اغتيال مغنية أعاد تفعيل مكافحة التجسس في الحزب.

    في أواخر العام 2008، بدأت أولى عمليات الاعتقال. في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه اعتقل حزب الله الأخوين علي ويوسف الجراح من بلدة المرج البقاعية بتهمة التعامل مع إسرائيل. ووجد في حوزتهما آلات تصوير فوتوغرافي وفيديو ونظام GPS (لتحديد المواقع) مخبأ في سيارتهما التي كانت تركن في مركز المصنع الحدودي على الطريق الدولية بين بيروت ودمشق والذي يمر عبره مسؤولو حزب الله.

    كان علي الجراح يتواصل مع الجهة التي كان يعمل معها في الموساد عبر الهاتف وبصورة عادية، وكانت مهماته هذه تتطلب منه بين الحين والآخر أن يسافر إلى الأردن أو مصر أو تركيا أو اليونان أو قبرص أو إيطاليا، حيث كان ينتظره هناك ضابط إسرائيلي يزوده بجواز سفر إسرائيلي وينتقل معه إلى تل أبيب.

    مصادر لبنانية كشفت أن الإسرائيليين كلفوا الجراح أجراء مسح بواسطة الكاميرا المثبتة في سياراته لأماكن وطرقات كانوا يحددونها له. وقد تمكن من إجراء مسح شبه كامل لمنطقة البقاع، وللضاحية الجنوبية وعدد من المخيمات الفلسطينية.

    وتضيف هذه المصادر بأن عمله كان مركزاً على سورية، حيث طلب الإسرائيليون مسح معظم أحياء مدينة دمشق، وبينها منطقة كفرسوسة التي اغتيل فيها القائد العسكري في حزب الله عماد مغنية.

    * انتصار كبير:

    في كانون الثاني/ يناير 2009 اعتقل حزب الله اثنين من المشتبه بهما. جوزف صادر الموظف في مطار بيروت الذي اختطف أثناء ذهابه إلى عمله. وبعد التحقيق معه، اعترف بأنه يعمل أمنياً في مطار بيروت الذي يمر عبره مبعوثون وديبلوماسيون من كل الشرق الأوسط.

    مروان فقيه هو العميل الرابع الذي أوقفه حزب الله، تاجر سيارات من مدينة النبطية الشيعية في جنوب لبنان، شاب ديناميكي نجح في بناء شبكة علاقات عامة وتوصل أن يصبح من أبرز مورّدي سيارات الدفع الرباعي لـحزب الله الذي محضه ثقته لدرجة أن مسؤولين كباراً طلبوا منه شراء الأجهزة الإلكترونية لمنازلهم.

    قدم فقيه حوافز كثيرة لكوادر حزب الله لكي يقوموا بشراء سيارات منه بأسعار مخفضة وتسهيلات كثيرة، وكانت البداية مع عدد قليل من الكوادر قبل أن يتوسع في علاقاته ليصبح معتمداً من قبل الحزب في تزويدهم بالسيارات.

    استغل فقيه مواهبه في إصلاح السيارات التي تخص كوادر الحزب لتزويدها بعيون إلكترونية. مصادر أمنية لبنانية كشفت لصحيفة عربية “أن ما أدى إلى كشف عميل الموساد مروان فقيه هو تعطل إحدى السيارات وأثناء قيام التقنيين بإصلاح العطل الكهربائي اكتشفوا أن العطل سببه جسم غريب لا علاقة له بأجهزة السيارة، وبعد تردد التقني في الإبلاغ عن الأمر قام أخيراً بإخبار صاحب السيارة وهو من كوادر حزب الله، الذي قام بإبلاغ قيادة الحزب، ولكي يتأكدوا من أن الموضوع ليس فردياً، طلبوا من فقيه تزويدهم بثلاث سيارات جديدة وفور تسلمهم هذه السيارات أجروا فحصاً دقيقاً عليها فاكتشفوا أنها مزودة بعيون إلكترونية كما كل السيارات التي سبق أن سلمهم إياها فسارعوا إلى إلقاء القبض عليه”.

    * إسرائيل تجند جنرالاً لبنانياً:

    أما البداية فكانت في الحادي عشر من نيسان/ أبريل عندما اعتقلت السلطات اللبنانية أول صيد ثمين سيساهم في تداعي الشبكات المتعاملة هو العميد المتقاعد في الأمن العام أديب العلم وزوجته حياة صالومي وابن شقيقه جوزيف العلم، وهم من بلدة رميش الجنوبية الحدودية.

    وفقاً لوسائل إعلام لبنانية، اعترف العلم بتعامله مع الموساد منذ 1994 وكان وقتها لا يزال ضابطاً في الأمن العام، علماً أنه عمل في دوائر متنوعة وحساسة (دائرة الأجانب، الجوازات، مرفأ بيروت).

    في العام 1998 أقنعه مستخدموه بالتقاعد من الخدمة العسكرية وإدارة مكتب لاستقدام الخادمات الآسيويات ليشكل هذا المكتب ستاراً له للسفر إلى اليونان وقبرص وإيطاليا. زود العلم الإسرائيليين بمعلومات عن حزب الله وعن تحركات الجيش اللبناني، كما اعترف بقيامه بإجراء مسح دقيق لكل المنشآت والجسور على الأراضي اللبنانية وعلى طريق دمشق حمص الدولي.

    لا بد من الإشارة إلى أن دائرة الجوازات في الأمن العام التي شغل العلم منصباً حساساً فيها هي مصدر ثمين للمعلومات.

    منصور دياب، عقيد في الجيش اللبناني من منطقة عكار في شمال لبنان، اعتقل هو الآخر بتهمة التعامل مع إسرائيل. وكان العقيد دياب أحد أبطال معركة نهر البارد في 2007 بين الجيش اللبناني ومنظمة فتح الاسلام. اعترف بعلاقته بالاستخبارات الإسرائيلية منذ منتصف التسعينيات، حيث أقام علاقة معهم أثناء إحدى الدورات التدريبية في الخارج.

    شهيد تومية، عقيد آخر من عكار، اعتقل مع موظف متقاعد في الجمارك . اعترف تومية بتزويد مشغّليه الإسرائيليين بإحداثيات جغرافية خاصة بموقع رادار للجيش اللبناني في منطقة الشمال قبل تعرّضه للقصف الإسرائيلي خلال عدوان تموز/ يوليو 2006 حيث استشهد عدد من العسكريين.

    ولاحقاً، اعتقل ناصر نادر المتورط بحسب مصدر أمني “في تحضير بيئة بعض الاغتيالات التي استهدفت قادة مقاومين، وأبرزهم جريمة اغتيال القيادي في حزب الله غالب عوالي في التاسع عشر من تموز/ يوليو العام 2004 في الضاحية الجنوبية، وتحديداً في محلة معوض كما نظم مراقبة الأحياء السكنية في الضاحية الجنوبية، معقل حزب الله التي دمرها القصف الإسرائيلي بدرجة عالية من الدقة في 2006″.

    موجة الاعتقالات لم تكن عادية إذ أنه من المتعارف عليه في عالم المخابرات وشبكات التجسس أنها لا تتكون من عناصر كثيرة كما أن أي متعامل لا يعرف المتعامل الآخر. انهيار هذه الشبكات تمّ كتدحرج حجارة الدومينو الذي يؤدي مع انهيار أول خلية إلى انهيار سائر الخلايا، علماً أنه لا ترابط في ما بينها فهي تعمل بشكل منفصل مستقل عن بعضها البعض.

    يقول اللواء ريفي في هذا الموضوع: “في الوقت الذي نسأل فيه عما إذا كان التحقيق مع الشبكة الأولى أدى إلى اكتشاف الثانية فالثالثة، فإن الواقع غير ذلك تماماً، إنما وانطلاقاً من سر تقني مشترك بين كل الشبكات أعطانا الخيوط الأولى للشبكات، وعلى أساس هذا الخيط الأول جرى بناء ما نسميه مهارة عالية جداً لاستكمال الملف الذي بات إلى حد ما شبه جاهز بين أيدينا لكل الشبكات التي ضربت، ولكن كل شبكة على حدة وليس شبكات متداخلة ومتصلة بعضها ببعض. إن أي جهاز يربط الشبكات بعضها ببعض يعتبر غير محترف وغير كفء”.

    * آلية تحقيق استثنائية:

    قصة هذا “السر التقني” تبدو من ناحيتها، متصلة بمسألة أخرى. “السر الذي نتحدث عنه مرتبط بالتحقيق في اغتيال رفيق الحريري”، يقول مصدر ديبلوماسي في بيروت. أجهزة غربية زودت قوى الأمن الداخلي اللبناني ببرامج متطورة قادرة على تحليل عشرات آلاف المكالمات الهاتفية والكشف عن الحالات الشاذة مثل الهواتف النقالة التي يتم تشغيلها في أوقات معينة أو التي تتصل برقم أو رقمين فقط. أداة تحقيق استثنائية” .

    النقيب وسام عيد، ضابط لامع ومتخصص في أنظمة المعلوماتية كان المسؤول عن هذا البرنامج. “من المرجح أنه اكتشف أشياء كثيرة بفضل هذا البرنامج”، يقول مصدر لبناني فضل عدم الكشف عن هويته كحال معظم المتحدثين لا سيما عندما يأتون على ذكر حزب الله

    السؤال هو: هل عرف النقيب عيد أكثر مما يجب؟ وهل اكتشف تورطاً ما لـحزب الله في اغتيال رفيق الحريري أدى إلى اغتياله في 25 كانون الثاني/ يناير 2008 بواسطة سيارة مفخخة؟

    يبقى أن البرنامج الذي عمل عليه حمل انتصاراً قوياً شكل أقسى ضربة لإسرائيل في حرب لا أبطال فيها.

    التصنيفات: غير مصنف
    لا تعليقات

اكتب تعليق

مدونات سقلب المجانية ماهر سلوم أنشىء مدونتك المجانية