
السقيلبية منذ خمسة أيام ـ عدسة غيث العبد الله
بقلم غيث العبد الله
لم تكن طبيعة السقيلبية يوماً خالية تماماً من الخضرة والماء والجمال، رغم الشّح المخيّم بين الفينة والأخرى. صحيح هي ليست بخلابة أو ساحرة، لكنك تستطيع إذا شئت أن تجد ما يمتّع ناظريك بامتداد السهول والحقول وفسحات الضوء، المتناثرة هنا وهناك مع تبدلات اللون إذ يوّشح المدى والأفق البعيد البعيد.
سنة 1879 زارها الرحالة المستشرق الألماني (ادوار ساخوا) وحضر عرساً فيها ودوّن انطباعاته عنها وعن الفرح فيها. ومرّ بها مطلع عشرينات القرن الماضي المهندس الزراعي والباحث (أحمد وصفي زكريا) فتحدث عن فرادة عمارتها الطينية وصلابة رجالها وجمال نسائها وجودة حنطتها. أما الأديب (شريف الراس) فها هو يسترجع ذكرياته الطيبة عن السنة الدراسية التي قضاها معلماً في مدرستها (1950) معتبراً أنه تعلّم فيها ماهو أمتع وأغنى وأكثر التصاقاً بمعرفة الإنسان أضعاف أضعاف ما قد علّمه للأطفال من معلومات مدرسية باردة على حد تعبيره،
يصفها: (… لا غابات صنوبر هناك.. ولا أشجار، بل سهول حمراء خصبة موحلة في الشتاء، عطشانة في الصيف وتل ترابي كبير والقرية مبنية فوق التل. بيوتها الترابية المتكئة على بعضها بأزقتها الضيقة جداً بعتمتها الليلية بالصمت الأسود الذي يلفها منذ تغيب شمس النهار وعلى حواف التل بضع حواكير مسيجة بأشواك برية، حواكير صغيرة فيها بصل وبقدونس ونعنع وبضع شتلات ورد ومنتور في الربيع…) وحين دوّن سيرته الذاتية جاء على ذكر أهلها قائلاً:… كان أهل السقيلبية طيبين جداً معنا، وقامت علاقة صداقة وطيدة مع معظمهم ممن لا يمكن أن ننساهم أبد الدهر، بالإضافة إلى معزّة خاصة مع خوري القرية “أبو إبراهيم” إن ذكريات تلك السنة –على بساطتها وفقرها- أجمل وأنشط ذكرياتي، ربما لأنني كنت في ريعان الصبا وقتذاك (1950).
المعروف أن شريف الراس، كان رساماً وخطاطاً، وقد كتب مرة على لوحة، ما يشير إلى مدرسة المعارف في السقيلبية، عُلقّت أول المدخل أمام إعجاب المتجمهرين من الأهالي والتلاميذ. مثلما تجمهر بعدها أيضاً رواد مقهى السوق آنذاك، وتحلقوا حول الأستاذ الراس وزميله المصري الجنسية مُعلم الرسم في مدارس حماة. سحب الرسام المصري ورقة وخربش بالرصاص خطوطاً سريعة ليريهم بعد دقائق معدودة ما رسمه أمام ذهول الجميع. لقد أجاد في نقل ملامح أحد الحضور بنسبة عالية دون أن يترك لديهم مجالاً للشك.
من المفيد أن نذكر أن السقيلبية تعرفت إلى اللوحة المّصورة بالألوان بداية وبتماس مباشر من خلال أيقونات الكنيسة فيها وكان الأيقونسطاس المشغول بمهارة عالية أول منحوتة خشبية يدوية تظهر. وبقدوم المصور اليوناني (سيمونيزس) إلى كنيستنا لرسم الصلبوت ولوحة السامرية ويسوع وغيرها تكون السقيلبية قد تعرفت أيضاً وعن كثب على أول عمل تشكيلي ميداني إذا جاز لنا التعبير، حيث المصور المذكور مكث قرابة الشهر لإتمام مهمته الموكلة إليه من قبل المطران حريكة سنة 1955.
طبيعة السقيلبية… ينابيعها، عيون مائها، بساتينها وامتداد سهل الغاب فيها وتلك الجبال الشاهقة المجاورة بكل ما تحويه من غابات وحكايات صيد وجماليات، شكّلت الذائقة البصرية الأولى لأبنائها وأبناء المنطقة أجمع، ونمّت لديهم الأحاسيس الفطرية بالجمال والصور الحسية العفوية وتداخلت النغمة واللحن والحكاية مع النقش الطيني المزخرف الذي جمّل جدران البيوت وشبابيكها ورفوفها. كم تبارت النسوة على إبراز الأحلى منها فنقشنّ الطيور والأسماك والغزلان والسيوف والرماح والوجوه، بفطرية فائقة، وليس مستغرباً أن يتأثر بعض الفنانين العالميين وغيرهم من فطرية هذا الفن الشعبي، وحتى أنه ’يدّرس في كليات ومعاهد الفنون الجميلة.
ولن ننسى أطباق القش التي أبدعتها المرأة السقيلباوية وتفنّنت في إظهار الذوق والانسجام اللوني فاستعملتها في حياتها اليومية كما جعلتها للزينة وما شابه.
قبل أن نتعرف في المقال القادم على رواد الفن التشكيلي في السقيلبية لا بد من الإشارة من باب الأمانة التوثيقية إلى أن أولى الخطوط المرسومة، الإيحائية الشكل والتكوين في السقيلبية كانت على يد كل من السيدين (أسعد برهوم سعيد) و (حنا جميل العبدالله) لاشتهارهما برسم العازارية (ذكرى قيامة أليعازر من الموت).. كانا يرسمان قبر أليعازار ويكتبان بخط أنيق ما يشير إلى قيامته. كما أن السيدة (سارة الدحدح) اشتهرت أيضاً وتقدمت سواها في النقش على الجدران الداخلية، حيث كان يطلب منها تنفيذ ذلك مقابل قيمة مادية إذ كانت مهنتها التي تعيش منها، بالرغم من أن أغلب النسوة عندنا كنا يقمن بهذا العمل.
في المقال القادم سنقوم بالتعرف على رواد الفن التشكيلي في السقيلبية محاولة منا تسليط الضوء على نتاجهم واسلوبهم وهم على التوالي: عماد العبد الله – سعاد سعيد – هيام العبدالله – غسان حنا – سهيل فروح – وليلى رزوق.








اكتب تعليق