• 29نوفمبر

    د. عائض القرني ـ الشرق الأوسط

    أكتب هذه المقالة من باريس في رحلة علاج الركبتين وأخشى أن أتهم بميلي إلى الغرب وأنا أكتبُ عنهم شهادة حق وإنصاف ، ووالله إن غبار حذاء محمد بن عبد الله ( صلى الله عليه وسلم ) أحبُ إليّ من أميركا وأوروبا مجتمِعَتين ولكن الاعتراف بحسنات الآخرين منهج قرآني ، يقول تعالى: « ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة “.

    وقد أقمت في باريس أراجع الأطباء وأدخل المكتبات وأشاهد الناس وأنظر إلى تعاملهم فأجد رقة الحضارة ، وتهذيب الطباع ، ولطف المشاعر ، وحفاوة اللقاء ، حسن التأدب مع الآخر ، أصوات هادئة ، حياة منظمة ، التزام بالمواعيد ، ترتيب في شؤون الحياة ، أما نحن العرب فقد سبقني ابن خلدون لوصفنا بالتوحش والغلظة ، وأنا أفخر بأني عربي؛ لأن القرآن عربي والنبي عربي ، ولولا أن الوحي هذّب أتباعه لبقينا في مراتع هبل واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى . ولكننا لم نزل نحن العرب من الجفاء والقسوة بقدر ابتعادنا عن الشرع المطهر.

    نحن مجتمع غلظة وفظاظة إلا من رحم الله ، فبعض المشايخ وطلبة العلم وأنا منهم جفاة في الخُلُق ، وتصحّر في النفوس ، حتى إن بعض العلماء إذا سألته أكفهرَّ وعبس وبسر ، الجندي يمارس عمله بقسوة ويختال ببدلته على الناس ، من الأزواج زوج شجاع مهيب وأسدٌ هصور على زوجته وخارج البيت نعامة فتخاء ، من الزوجات زوجة عقرب تلدغ وحيّة تسعى ، من المسؤولين من يحمل بين جنبيه نفس النمرود بن كنعان كِبراً وخيلاء حتى إنه إذا سلّم على الناس يرى أن الجميل له ، وإذا جلس معهم أدى ذلك تفضلاً وتكرماً منه ، الشرطي صاحب عبارات مؤذية ، الأستاذ جافٍ مع طلابه ، فنحن بحاجة لمعهد لتدريب الناس على حسن الخُلُق وبحاجة لمؤسسة لتخريج مسؤولين يحملون الرقة والرحمة والتواضع ، وبحاجة لمركز لتدريس العسكر اللياقة مع الناس ، وبحاجة لكلية لتعليم الأزواج والزوجات فن الحياة الزوجية.

    المجتمع عندنا يحتاج إلى تطبيق صارم وصادق للشريعة لنخرج من القسوة والجفاء الذي ظهر على وجوهنا وتعاملنا . في البلاد العربية يلقاك غالب العرب بوجوه عليها غبرة ترهقها قترة ، من حزن وكِبر وطفشٍ وزهق ونزق وقلق ، ضقنا بأنفسنا وبالناس وبالحياة، لذلك تجد في غالب سياراتنا عُصي وهراوات لوقت الحاجة وساعة المنازلة والاختلاف مع الآخرين ، وهذا الحكم وافقني عليه من رافقني من الدعاة ، وكلما قلت: ما السبب ؟

    قالوا: الحضارة ترقق الطباع ، نسأل الرجل الفرنسي عن الطريق ونحن في سيارتنا فيوقف سيارته ويخرج الخارطة وينزل من سيارته ويصف لك الطريق وأنت جالس في سيارتك ، نمشي في الشارع والأمطار تهطل علينا فيرفع أحد المارة مظلته على رؤوسنا ، نزدحم عند دخول الفندق أو المستشفى فيؤثرونك مع كلمة التأسف ، أجد كثيراً من الأحاديث النبوية تُطبَّق هنا ، احترام متبادل ، عبارات راقية ، أساليب حضارية في التعامل.

    بينما تجد أبناء يعرب إذا غضبوا لعنوا وشتموا وأقذعوا وأفحشوا ، أين منهج القرآن: «وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن » ، « وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما » ، «فاصفح الصفح الجميل » ، « ولا تصعّر خدّك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور ، واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير » . وفي الحديث: “الراحمون يرحمهم الرحمن » ، و « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ” ، و « لا تباغضوا ولا تقاطعوا ولا تحاسدوا » . عندنا شريعة ربّانيّة مباركة لكن التطبيق ضعيف ، يقول عالم هندي: (المرعى أخضر ولكن العنز مريضة( .

    التصنيفات: غير مصنف
    1 تعليق

1 تعليق

  • أعتقد أن الكاتب يقصد الأعراب الذين انتحلوا اسم العرب .. والعودة الى اصول اللغة واللهجات المتداولة بالعامية تقول ( عرب الشيء ) أي نقاه وفرزه ..
    وهذه ليست عنصرية ..العرب نخبة الانسانية وليس مقصودا ً به جنس بعينه .
    المقصود النخبة النبيلة الملتزمة بالمنظومة الأخلاقية وهذه تسكن الجينات قبل التعلم .
    أي شريعة يريد عائض القرني العودة اليها وهو من بين من ساهموا في التحريف والاستثمار والتضليل والاجتهادات المضحكة المبكية التي ترسم أبشع الصور عن هذه الشعوب ومعتقداتها .. هل هي الشريعة التي تضرب المرأة كالبهيمة في الشارع أو تجلدها لأنها تلبس البنطال أم تطلق النار في رأسها وفي ساحة عامة . . أم التي تقطع يد جائع سرق لقمة يقيم بها أوده وأود أطفاله المحرومين .!!. من دفعه الى السرقة ..؟ ألا يسأل هذا السؤال ..؟!! .. وتسجد أمام من يسرق ثروات شعب ويعتبر الناس عبيدا ً له فيجلد ويقطع الرؤوس ويبغي ويرسل الناس الى الصلاة بالعصي ليسجدوا ليس بشكل علاقة بين الانسان وربه ولكن خوفا ً منه وتبجيلا ً له أي أن يسجدوا له في حقيقة الأمر .
    هذه الجلافة وغلظ الرقبة ومخالفة حقائق الحياة صنعها كل من تحكم في الرقاب وفحش ظلما ً وامتصاص دماء البشر ومع ذلك حوله فقهاء السلطان الى مقدس والسيد عائض القرني منهم .
    ألم يساهم في التضليل والخداع ويخرج بمرويات وفتاوى تخالف أبسط حقائق الحياة وقواعد المنطق وتعظم هبل الأكبر .
    هذا الكلام جميل واعتراف متأخر بحجم المساويء التي تحكمت بأبناء المنطقة مع أنه لم يلفظها وأبقى على صلة الوصل بينه وبين تلك الأنظمة التي تغرق هذه الشعوب بالتخلف والظلم والقهر فأنتجت تلك القيم الدونية من غلظة ونفاق وكذب وجفاء وتدميرا ً لإنسانية الإنسان .
    هذه الطبقة من الدعاة وفقهاء الانحراف والتضليل هي من أوصلت هذه الشعوب الى هذه الحال المخزية بالتعاون مع أنظمة لاأسوأ ولاأقبح . . وهم من ينشر بينها عوامل التفرقة من طائفية ومذهبية بغيضة . فلا يتنصلوا من مسؤولياتهم وعليهم الاعتراف علنا ً بكافة الموبقات والارتكابات والبلاوي التي صنعوها عل بعض العقول تعود الى طبيعتها الانسانية فتبدأ مرحلة التغيير والتطور وإن كانت متأخرة جدا ً .

اكتب تعليق

مدونات سقلب المجانية ماهر سلوم أنشىء مدونتك المجانية