بقلم غيث العبد الله
شهدت فترة منتصف الستينيات من القرن العشرين، البداية الأولى لحركة مقبولة في تعبيد وشق الطرق الاسفلتية في السقيلبية، من خلال كان يُعرف بالعمل الشعبي آنذاك وكانت تلك الفترة نتيجة طبيعية للتطور الذي ُأسبغ على تلك المرحلة بعد صدور المرسوم التشريعي رقم(85) عن مجلس الرئاسة في الجمهورية العربية السورية بتاريخ 21/10/1964 الذي يُقر إحداث منطقة باسم(منطقة الغاب) ومركزها قرية السقيلبية.
آنذاك نشطت حركة التوسع العمراني في السقيلبية، وامتدت لتترسخ أكثر في أحياء سكنية لم يمض على استحداثها كثيراً هي السوق وسلطانة وسهم البيدر، بعد أن كانت خجولة نسبياً فترة الخمسينيات وما قبلها، إذ كان الغالبية العظمى من سكان البلدة ما زالوا يقطنون بيوتهم الأولى المتربعة على تلها حيث المسكن الأول لهم .
كان الطريق الأساسي والحيوي في القرية (التل)، يقسمها إلى قسمين، غربي وشرقي يبدأ صعوداً من طلعة القبو أو طلعة الكنيسة فيما بعد وقد تفرع عن السوق التجاري الأول والوحيد فيها عند سفحها الجنوبي ليتابع صعوده شمالاً ويمر من أمام كنيسة جاورجيوس، ثم يتصل بطريق ضيقة نسبياً تتجه شرقاً، تسلكتها النسوة في ذهابها إلى عين الورد لملأ جرارها. قبل وصوله هذا يتفرع عنه فرعين الأول يمر من أمام قصر الشيخ الياس العبدالله شرقاً والثاني غرباً باتجاه قصر أخيه الشيخ سعيّد العبدالله ثم إلى مدرسة المعارف أو، مدرسة التل الغربي( حالياً دير رقاد السيدة).
بالرغم من أن طريقين آخرين، كانا يؤديان إلى القرية المتربعة على تلٍ عالٍ، من جهتي الشرق والغرب، لكنهما لم يكونا بحيوية وأهمية الطريق المذكورة التي تبدأ أول طلعة القبو، وقد كانت بمثابة المدخل الرئيسي للقرية، يسلكها عادة وغالباً الضيوف وأهل البيت معاً.
جميع هذه الطرق الآنفة الذكر كانت في حال يُرثى لها، موحلة في الشتاء ومغبرّة في الصيف على مرور السنين.
مطلع الأربعينيات من القرن المنصرم، فكرت الجهات الحكومية آنذاك بإيصال الطريق العامة القادمة من مدينة حماة، إلى قرية السقيلبية، فكان ماعُرف ” الكروسة ” والكروسة كلمة فرنسية” la carrosse” تعني العربة الفاخرة التي يجرها أربع جياد.( من فعل نقل الشيئ).
اندفعت صبايا السقيلبية، للعمل في رصف الكروسة تلك، فنقلت الحجارة المتوضعة على جانبي المكان بدأً من قرية الكرامة اليوم، وصولاً إلى آخر شارع عدنان المالكي حالياً الذي ينتهي غرباً مع الطريق المؤدية إلى مدينة أفاميا،( مستديرة مدخل السقيلبية الغربي) موازياً لمحطة الوقود لورثة السيد صبري فرحة مرورا من أمام ما عُرف بمنطقة عز الدين مقابل مكتب الحبوب في السقيلبية حالياً لتتابع سيرها من أمام دائرة البريد وابتدائية الشهيد سليم حداد ودائرة الخدمات الفنية،: جادة يوسف العظمة” ومن ثم السوق الرئيسي حالياً حتى النهاية حيث أشرنا.
رصفت الكروسة، بنوعين من الحجارة متبايني الحجم، الكبير منها يُدعى بالعامة المعروفة آنذاك( ردش) تستطيع قبضة اليد ضمه والقبض عليه، أما الأصغر منه، فيدعى (جمش) ومنها جاء المثل القائل: “الجمشة بستند حيط”.
ُتغرس الحجارة في بطن التربة الموحلة بتراصٍ متين من قبل رجال امتهنوا ذلك فتتماسك بها بصلابة.
استمر العمل بالكروسة مدة ثلاث سنوات، خلال أشهر الخريف والشتاء فقط، من كل عام. وظل انجاز المشروع هذا حديث الناس في السقيلبية لسنوات، ومحط اهتمام الشباب والصبايا، حيث انتقلت إليها التجمعات والأنشطة الشبابية، والمشاوير عند الغروب، بعد أن كانت تقتصر على طريق العين فقط، واستمرذلك حتى السبعينيات.
أواخر الثمانينات من القرن المنصرم وحين امتدت جادة يوسف العظمة باتجاه الشرق لتصل طريق حماة بقلب المدينة أزيل آخر مابقي من الكروسة من حجارة وتربة معجونة بتنهدات الصبايا وشقائهن ليزرعنها انتظاراً وشوقاً ، وبعد أن مشت عليها خيول هنانو وصالح العلي وأولائك الثوار من رفاق العظمة لتستقبلهم السقيلبية وأهلها ، بالحفاوة، والدعم والموالاة، وهي اليوم نفسها الطريق التي تستقبل كل من يأتيها ويحل فيها ضيفاً عزيزاً مكرماً.








5 تعليقات
الخميس 11 مارس 2010 @ 8:19 م
يامحلى ايام زمان ,أريد منك استاذ غيث ان أعرف من اين لك كل هذا المخزون التراثي والتاريخي والثقافي و…..عن مدينتنا وشكراْ
السبت 13 مارس 2010 @ 5:13 م
شكراً أخي صديق العلم.
في الحقيقة هي ثمرة عمل قديم دؤوب ومتواصل، بدأت فيه منذ عشرين عاماً، استطعت خلاله ان التقي قرابة المئة شخص من السقيلبية، معظمهم من المعمرين، (وأغلبهم حالياً توفوا) وكنت حين أريد أن أستفسر عن حادثة، ما أو خبر أجمع المعلومة من ما لا يقل عن سبعة مصادر وربما أكثر، ثم أعمل تقاطعات بين المعلومات التي أحصل عليها، وذلك حفاظاً قدر المستطاع على الموضوعية، والمصداقية دون التأثر برأي وحيد أو ما شابه أو بعيداً عن التعاطفات أو الأهواء والميول الشخصية.
شكراً ولك مني خالص المودة.
غيث
الخميس 29 أبريل 2010 @ 11:35 م
أستاذ غيث أنت رائع جدا في جميع مقالاتك اتمنى لك التوفيق والله يقويك.
احلى سقلب
الجمعة 30 أبريل 2010 @ 2:22 م
أستاذ غيث بحب هنيك كشب من سقلب ع هالموقع الحلو والمقالات حلوة كتير.أنا جديد عالموقع وأكيد رح تشوفني بالأيام الجاية………….
رودي……
السبت 1 مايو 2010 @ 12:49 م
شكراً جزيلاً للعزيزين برشا ورودي لكلماتهما اللطيفة، لكما خالص تقديري:
http://ghaith-a.com/
اكتب تعليق