(دراسة ملخصة عن فكر انطون سعادة)
اتهم أنطون سعادة وحزبه كثيرا بتهم منها ما كان بقصد الإشاعات والتشويه ومنها ما كان دون فهم لحقيقة فكره ودعوته وفي المسألتين تجن كبير على حقيقة الرجل..
أنطون سعادة الذي أسس حزبه في عام 1932 وفي ظروف سياسية أي بعد خروج الأتراك ودخول الإستعمارين البريطاني والفرنسي حيث كانت التيارات العروبية الدينية في أوجها وكذلك التيارات الإنعزالية في لبنان خاصة ، هذا إضافة للقوة الطائفية السياسية .
فمنذ ظهر أمر الحزب وانكشف تنظيمه للعلن عام 1934 تنبهت القوى السياسية ليس للمبادئ الأساسية فحسب بل لمبادئ الحزب الإصلاحية العلمانية :
المبدأ الأول _ فصل الدين عن الدولة .
المبدأ الثاني _ منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين .
المبدأ الثالث _ إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب .
المبدأ الرابع _ إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة .
هذه المبادئ ان دلت تدل على كثرة الجبهات التي فتحها أنطون سعادة في بيئته اللبنانية أولا ومن ثم في البيئة المحيطة بلبنان أي المشـــرق
( الهلال الخصيب سوريا الطبيعية والعراق ) لذلك كما ذكرت تنبهت كل القوى الانعزالية والطائفيات السياسية وتيارات العروبة الدينية لخطورة فكر الرجل وبدأت الحرب ضده بكل الوسائل وعلينا أن لا ننسى أن المنطقة كلها واقعة تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني ولعل من أكبر ميزات حركة سعادة بين حركات التحرير في العالم أنه وضع مبادئه ولم يترك تطبيقها للزمن بل طبقها بنفسه ثم على المقتنعين بمبادئه وأوجد فئة من الناس تعتنق المبادئ القومية العلمانية وتعمل بها وتعيش لأجلها وتموت أيضا ، على مر تاريخ الحركة منذ الشهيد سعيد العاص البطل في فلسطين في ثورة عام 1936 وهو من مدينة حماة إلى الشهيدة البطلة سناء محيدلي ابنة الجنوب اللبناني وكذلك في موضوع إعدام أنطون سعادة ذاته في الثامن من تموز 1949 من قبل الحكومة اللبنانية آنذاك بعد محاكمة صورية وقد صدّق القول بالفعل (( إن الحياة تعني لنا وقفة عز فقط وإن الموت طريق الحياة )) .
وجدير أن نذكر أن الراحل أنطون سعادة كان أول سوري تجرأ على قانون قمع الجرائم أيام الانتداب الفرنسي فأقدم على تأسيس حزبه القومي الذي كان في طليعة مبادئه محاربة الاستعمار بشتى ألوانه وأشكاله .
وحول الاتهامات والشائعات والتضليل التي حورب بها سعادة وحركته فأكثر ما كتب عن فينيقية الحزب وأنه دعوة فينيقية وأنه ضد العروبة …ولكي نعطي أدلة على بطلان تلك الادعاءات ومن فكر سعادة نفسه وذلك منذ أول تأسيسه لحركته إبان الحملة التي قامت بها بعض الصحف والعناصر والفئات بحجة عداء العروبة :
{ غاية الحركة السورية القومية الاجتماعية إيجاد نهضة قومية تكفل تحقيق مبادئها وتؤدي إلى الاستقلال والاستمرار في خدمة الأمة والسعي لإنشاء جبهة عربية }
{ سورية هي إحدى أمم العالم العربي }
{ إن الذين يعتقدون أن الحركة السورية القومية الاجتماعية تقول بتخلي سورية عن عالمها العربي وعن القضية العربية يقولون ذلك لأنهم لا يفهمون الفرق بين النهضة السورية القومية والقضية العربية عموما وقد ضلوا ضلالا بعيدا }
{ إننا لن نتنازل عن مركزنا في عالمنا العربي ولا عن رسالتنا إلى عالمنا العربي ولكننا نريد قبل كل شيء أن نكون أقوياء في أنفسنا لنتمكن من تأدية رسالتنا ، يجب على سورية أن تكون قوية بنهضتها القومية لتستطيع القيام بمهتمها الكبرى }
( إذا كان في العالم العربي عروبة حقيقية صميمة فهي عروبة الحزب السوري القومي الاجتماعي ، نحن أصحاب العروبة الواقعية الحقيقيين ونحن جبهة العالم العربي ونحن صدره ، ونحن سيفه ، ونحن ترسه ، ونحن حماة الضاد ، إننا واقعيون في الوجود نرى العالم العربي في واقعه عالم بيئات طبيعية ( البيئة المغاربية ) ( بيئة وادي النيل ) ( بيئة شبه الجزيرة العربية ) ( بيئة الهلال الخصيب سورية والعراق ) لكل بيئة خصائصها ومقوماتها ووحدة حياتها وإمكانياتها وعلى كل شعب في هذه البيئات أن يعي وجوده وحقيقته ومصالحه وأن ينهض معتمدا على نفسه ثم يعمل على التعاون مع شعوب البيئات العربية الأخرى ونؤكد على التعاون بإنشاء جبهة العالم العربي والسوق العربية المشتركة ونؤكد أيضا أننا أبناء الحياة بتطورها ومن يدري ” قد يصبح العالم كله أمة واحدة ” )
هذه موجزات قالها انطوان سعادة نفسه وفي المراحل الأولى لتأسيس الحركة وأعتقد أن هناك من المفكرين العروبيين من أنصف سعادة فيما بعد ومن أهمهم المفكر القومي العربي الكبير ساطع الحصري أبو خلدون وذلك في كتابه [ العروبة بين دعاتها ومعارضيها ] الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عام 1984 وكان الكتاب قد نشر لأول مرة عام 1951 . . .
فيقول ساطع الحصري
( لم يظهر في العالم العربي إلى الآن (1951) حزب يضاهي الحزب السوري القومي الاجتماعي في الاهتمام بالدعاية المنظمة التي تخاطب العقل والعاطفة معا . . . )
ويقول الحصري :
( أسس سعادة حزبه لمحاربة روح الطائفية والنزعة الانعزالية اللتين لاحظهما في لبنان في الوقت الذي ما كان يُعرف بعد شيئا يُذكر عن أحوال سائر البلاد العربية ، ولذلك أخذ يدعو إلى فكرة القومية السورية منددا بالانعزالية اللبنانية الضيقة من ناحية وبالقومية العربية الشاملة من ناحية أخرى )
ويقول الحصري في نفس الكتاب :
إنه ظل معارضا لفكرة القومية العربية ومع هذا أدرك ضرورة تأسيس ” جبهة عربية ” ولا شك في أن التطور الذي حصل في آراء أنطون سعادة كان من شأنه أن يوصله _ عندما يستمر _ إلى تطور آخر ويحمله على تحويل فكرة ” الجبهة العربية ” بصورة تدريجية إلى نوع من ” الفدرالية العربية ” هذه هي الفكرة الأساسية التي تكونت في ذهني سنة 1948 بعد اجتماعي بزعيم الحزب أنطون سعادة واطلاعي على نزعاته الأصلية . . . وقلت في نفسي عندئذ : لا شك أن أنطون سعادة سيلتقي بنا في آخر الأمر عاجلا أو آجلا …… ولكن الأمور تعقدت بعد ذلك بسرعة كبيرة وانتهت أنفاس الرجل فجأة في ظروف شاذة جمعت خصائص الملهاة والمأساة ! ………. ) الحصري نفس الكتاب
ويبقى الحصري بمنطقية دراسته وعدليته مفكر كبيرا يحترم من كل أتباع أنطون سعادة . . فالمرحوم ساطع الحصري تصور أن سعادة كان سيصل به التفكير إلى مفهوم القومية العربية الذي توضح فيما بعد على أسس ومقومات علمية لا على غوغائية عاطفية ولا على مجرد شعارات دينية وهمية .
وبالطبع فإن ساطع الحصري فنّد كل آراء سعادة وبيّن أخطاءه فيما ذهب إليه في كتابه نشوء الأمم وفي مجمل فكره ورد عليه بما يتناسب والبحث العلمي في شتى المسائل السياسية والجغرافية والتاريخية أيضا ولم يلجأ الحصري إلى عاطفة بل ظل رجل علم وفكر يرد على الحجة بالحجة وعلى المنطق بالمنطق وعلى الرؤية بالرؤية وذلك باحترام كبير افتقده كثيرون ممن عادوا أنطون سعادة وفكره السياسي .
أن انهماك أنطون سعادة في العمل الحزبي والإداري وكثيرا من انهماكات أخرى في المجال جعلت أنطون سعادة غير متفرغ للكتابة في المجالات التي كان يريد تفصيلها كل على حدة في كتاب أو كتب متخصصة في المجال بعينه كالفلسفة ( المدرحيّة ) وقد صرح أنطون سعادةلرفاقه بأنه يعتزم أن يأخذ إجازة من العمل الحزبي لسنتين كي يتسـنى له وضع كتب في أفكـاره الفلسفية الاجتماعية الاقتصـادية وكان هذا بعد عودته من مغتربه القسري عن لبنان أي تصريحاته لرفقائه بين عامي 1949 – 1947 .
كتب الكاتب عبد الله قبرصي بعنوان عبد الله قبرصي يتذكر ( وهو أحد أهم تلاميذ سعادة ) وذكر هذه الأمنيات لا بل ذكر أن سعادة كانت تشغله كثيرا ويقول يجب أن أخصص للاقتصاد القومي وقتا وللفلسفة وقتا ، ولكن سعادة عاجلته الأحداث السياسية والمغامرة الكبرى التي أودت بحياته عام 1949 وظلت أمنياته في إطار الأمنيات ، وبعد رحيل سعادة شعر كثير من مفكري الحزب بهذا الفراغ فأخذوا يحاولون ملء النقص ولكنهم اختلفوا في الرؤية ولم يعتمد الحزب أيا من تلك الأفكار واعتبرت كلها دراسات في الاقتصاد أو في الفلسفة ولكن الاجتهادات قليلة . . ولذا بعد أن جمع تقريبا كل تراث سعادة ونشرت أخيرا في اثني عشر مجلدا تحت عنوان ( أنطون سعادة : الأعمال الكاملة ) تضم هذه المجلدات كتاباته قبل تأسيس الحزب وبعد التأسيس أي كل ما كتب من مقالات وكتب وغيرها من محاضرات وخطابات وحتى رسائل وكانت عمدة الثقافة في الحزب قد حاولت على فترات نشر الأعمال الكاملة ولكنها كانت تظل ناقصة لأن سعادة عاش حياة لا استقرار فيها ما بين البرازيل ولبنان ودمشق ( قليلا ) والأرجنتين ومن ثم لبنان وكتب في صحف عديدة في تلك البلدان وأسس صحفا هو نفسه فضلا عن الصحيفة الحزبية في بيروت التي كان يرسل لها من الأرجنتين وذلك في فترة ما بين عام 1938 و 1947 وبعد إعدام أنطون سعادة عام 1949 كما ذكرنا آنفا وملاحقة قيادات الحزب من الحكومة في لبنان حيث كان مركز الحزب في بيروت طالت تلك الملاحقات بعضا من تراث سعادة وفقد بعض من ملفات المجلة التي يصدرها الحزب وتم إثرها انتقال مركز الحزب إلى دمشق بعد الانقلاب العسكري على الرئيس السوري حسني الزعيم بسبب تسليم أنطون سعادة للحكومة اللبنانية وتم على أثرها فورا إعدام سعادة..
ومن أهمالكتب في هذا الجانب الفكري ( الفلسفي الاجتماعي ) عند سعادة كتاب المفكر اللبناني ناصيف نصّار بعنوان ( طريق الاستقلال الفلسفي عند العرب ) الذي خصص جزءا من كتابه لفكر سعادة . . وكتاب المفكر اللبناني عادل ضاهر (المجتمع والإنسان ، دراسة في فلسفة أنطون سعادة ) فما هي فلسفة أنطون سعادة ؟ :
المدرحيّة :
( إن المدرحيّة عند سعادة تعني تمازج المادة والروح لا بشكل ثنائي بل بشكل تداخلي هو أشبه بمبدأ الشخصانية PERONNALISME إذ أن ” مادة زائد روح ” لا تعني مدرحيّة لأن هذا إضافة ، بينما سعادة قال بكلمة تفاعل متجانس أي أن المادة والروح تتفاعلان بتجانس ، فالقضية ليست صراعاً بل تفاعلا ، فالحيوية موجودة بشكلها الإيجابي ، ومستمرة استمرار الحياة نفسها وهذه لا تظهر إلا في المتحد الاجتماعي ويعرّف المدرحية ناصيف نصار بقوله ” هي تعيين لفكرة التفاعل في موضوع علاقة الروح والمادة بالنسبة إلى الحياة الاجتماعية وليس بالنسبة إلى الحياة الاجتماعية وليس بالنسبة إلى كينونة الإنسان الميتافيزيقية )
( أما عناصر المادة عند سعادة فهي الأسس التي تقوم عليها الأمة من خلال تشكُّل ” متحدها الاجتماعي ” وهي الأرض والبيئة ، الأسس البيولوجية للجماعة، في حين أن عناصر الروحية عند سعادة فهي غايات الأمة والدولة القومية أي القيم الأخلاقية والدينية ، الغايات السامية ، ومن تفاعل عناصر المادية والروحية تنبثق عناصر المدرحية وهي البنى الاقتصادية والمؤسسات السياسية والنظرة إلى الكون والحياة . )
إن كتاب أنطون سعادة ( نشوء الأمم ) الذي ألفه وهو في غمرة الصراع والنضال وعمره لم يتجاوز الرابعة والثلاثين وكان أيامها رهن الاعتقال من قبل السلطات الفرنسية ( أي وضع الكتاب وهو في السجن ) يمكن أن يكون أساسا لفكره الفلسفي الاجتماعي حيث تقوم تلك الأفكار على مفهوم الإنسان _ المجتمع ، والمدرحية كلمة منحوتة مصطلح فلسفي جديد وضعه سعادة بدخوله في ميدان مسائل الفكر الإنساني الأساسية ليقيم عليه بناء دقيق القياس والتصميم من التماسك في الفكر ومن التعيين لمسار الفكر في عملية المعرفة .
فالـ . .
_ الإنسان _ المجتمع ليس الإنسان الاجتماعي
_ الإنسان _ المجتمع ليس الفرد المتفوق ، فرد الملكوت
_ الإنسان _ المجتمع ليس البطل الأخلاقي
_ الإنسان _ المجتمع ليس الإنسان الجديد
_ الإنسان _ المجتمع ليس مصطلحا أدبيا
_ الإنسان _ المجتمع ليس مصطلحا سياسيا
_ الإنسان _ المجتمع ليس مصطلحا خطابيا
_ الإنسان _ المجتمع ليس الإنسان النيتشوي ( نسبة إلى نيتشه ) كما راق لكثير من الكتاب أن يضعوا مفهوم سعادة للـ الإنسان _ المجتمع تحت تأثر سعادة بفلسفة نيتشه .
كل هذه التشويشات تاه في وضعها وافتراضها كثير من الذين قرأوا قراءة نصِفها بالسهولة والمجانية في استعمال مصطلحات فلسفية أساسية عند سعادة .
وكتاب ( نشوء الأمم ) 1937 أول كتاب في علم الاجتماع بعد مقدمة ابن خلدون في اللغة العربية تضمن أبحاثا في علم السلالة ، في التاريخ ، في الأساس المادي للاجتماع وفي البناء النفسي الذي يقوم عليه ، في وحدة الجوهر والوجود ، في القيم ، في معنى الحقيقة وفي الحق والخير والجمال ، ولعل كتاب المحاضرات العشر الذي ختم به سعادة حياته كان قد شرح فيه الغموض الذي اكتنف بعض فكره في نشوء الأمم وفي غيره في هذا الاتجاه
( إذا قصد سعادة بكلمة ( مدرحية ) اعتبار الحياة الإنسانية هي مادّية روحية وبالتالي فهو يرفض أن الحياة مادة فقط كما يرفض الطوباوية الروحية ، وكلمة مادية كما يشرحها عادل ضاهر على ضوء فهمه العام لنظرة سعادة كما يلي :
1_ العوامل الضرورية لنشوء الإنسان بتطوره البيولوجي .
2_ العوامل الضرورية لنشوء الجماعة الإنسانية واكتساب الجماعة شخصية معينة .
3_ العوامل الضرورية لتطور الإنسان الاجتماعي .
والفئة الأولى والثانية من هذه العوامل تشتملان على عوامل فيزيائية بالمعنى المحض عوامل جغرافية بيولوجية بينما الفئة الثالثة تشتمل على العوامل الاقتصادية إلى جانب اشتمالها على العوامل البيولوجية .
أما كلمة روحية فهي ( الثقافة النفسية والبناء النفسي الذي يشير إليه سعادة .)
( ويطرح عادل ضاهر سؤالا : هل لنظرة سعادة المدرحيّة في الوجود الإنساني أي مضامين انطولوجية أو ميتافيزيقية ويجيب ضاهر بالنفي ، فسعادة لم يهتم قط بالواقع الانطولوجي للإنساني أي بما إذا كان الإنسان من الزاوية الأنطولوجية كائنا مادي الجوهر أو كائنا روحي الجوهر أو كائنا ذا جوهر مادي وروحي في آن معا .)*
وفي كتابه عادل ضاهر حول الرؤية الفلسفية لسعادة وجد أن سعادة لم يطلب المعرفة من أجل المعرفة بل من أجل العمل على تحقيق نهضة شاملة في وطنه .
وأما فكرة المصطلح الثاني ” المتحد الاجتماعي ” الذي وضعه سعادة فهو يعني أن البشر ينشأون في متحدات اجتماعية فأصغر متحد مثلا الحي أو القرية ومن ثم القرى الكبيرة وثم المدن وهكذا إلى أن تشكل هذه المتحدات متحدا أكبر هو المتحد الاجتماعي الكبير ( الأمة ) التي تكونت ضمن بيئة واحدة واضحة تفاعلت تفاعلا طويلا بين عدة شعوب فيما بينها من ناحية وبين بيئتها من ناحية أخرى مما يجعل لهذه الشخصية استقلالية وراثية في المتحد الاجتماعي .
وأنطون سعادة يرى أن المتحد الاجتماعي هو مجموعة أفراد تشدهم مصالح مادية وتربطهم وحدة نفسية تتجلى في النظر والفكر والاتجاه والموقف .
ولذا ركز سعادة على النحن بدل الأنا وأعطى الأسبقية للمجتمع لا للفرد ، ورأى أن النهضة القومية لا يمكن أن تتحقق إلا بوعي جمعي لذا كانت الدعوة دعوة اجتماعية والإنسان المجتمع هو الذي يصنع التاريخ من خلال وجوده ومعرفته وإذا كان الوجود هو حصيلة بيئة فإن معرفته هي حصيلة تاريخه وهي ليست بعيدة عن الطبيعة بل خاضعة لجدلية معينة مفادها أن الطبيعة تفعل بالإنسان فيرد الإنسان الفعلَ تحرّكا في اتجاه السيطرة عليها ضمن شروطها هي في البداية وبنجاحه ” النسبي ” في السيطرة عليها واستغلالها لمصلحته يخلق أوضاعا مادية جديدة لحياته وهكذا دواليك إلى أن يصل الإنسان لتحقيق أكثر مما يمكن من حاجاته بأقل جهد ممكن . )*
وفي هذا يقول سعادة في ( نشوء الأمم ) البيئة تقدم الإمكانيات لا الحتميات
ومما لا بد من قوله أيضا إن أنطون سعادة أخذ شاعرا أو كاتبا وسيلة فيما كتب ليرد عليه ويطرح من خلال هذا رؤيته وفكره وهو يرمي إلى نموذج في الفكر أو في الأدب ليعمم على هذا النموذج أفكاره في الأدب بشكل عام كمفكر له هدف حركي قومي اجتماعي سياسي ونهضوي شمولي لا كمفكر شغل نفسه بالفكر النظري المحض .
من هنا نراه في كتابه ( الصراع الفكري في الأدب السوري ) يرد على محمد حسين هيكل وعلى طه حسين وعلى محمود عباس العقاد وعلى أمين الريحاني وعلى الشاعر خليل مطران وعلى يوسف المعلوف وكذلك على الشاعر المهجري شفيق المعلوف ليوضح البلبلة النقدية عند هؤلاء ويطرح نظرياته في الشعر والأدب عموما .
والذي أود أن أتحدث عنه هو كتابه ( الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية )
والذي كتب مقالاته أنطون سعادة ما بين 22/1/1941 و 1/5/1942 وفي غمرة محاولات الاستقلال عن فرنسا وبريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وما في تلك الأيام من حماس وتطلع عربي للاستقلال ، فمن العرب من كان يعتقد أن ألمانيا هي المخلّص ومنهم من كان ينظر باستغلال انكسار فرنسة وبريطانية في سنوات الحرب الأولى لإشعال ثورة ضد المستعمرين وذلك بمفهوم ديني إسلامي كون المجتمع السوري ( الهلال الخصيب ) في تركيبته الطائفية يتألف من أكثرية محمدية بالعموم ومن أقلية مسيحية في العموم أيضا ولأن الطائفية دائما في المجتمع نار كامنة تحت رماد بإمكان المستعمر تأجيجها كما حصل في ستينيات القرن التاسع عشر بين الدروز والمسيحيين ( الموارنة بشكل خاص ) وبما أنه أيضا كانت تسري دائما إشاعات أن المسيحيين في سوريا ولبنان مطمئنون وهادئون مع المستعمر الفرنسي بسبب روابط عقيدة الدين وربما يصل الأمر إلى التخوين ، وبالرغم من أن أكثر كبار رجالات النهضة في القرن التاسع عشر كانوا مسيحيين ولكن هذا لم يشفع لهم والحالة الاجتماعية العامة حالة أميّة وتخلف وتعصب ديني معزز بأفكار بعض الدعاة الإسلاميين من مخلفات الخلافة العثمانية ، وقد تحمس بعض الكتاب والشعراء المسيحيين لهذه الدعاوي فمنهم من أعلن إسلامه ومنهم من دعا إلى إدانة المسيح والمسيحية والمسيحيين كأتباع وكدين متسامح . . ومن هؤلاء كان الشاعر القروي( رشيد سليم الخوري ) الذي أخذت شهرته تنتشر في بلاد العرب كشاعر مهجري اعتنق الإسلام المحمدي ( لم يثبت اعتناقه للإسلام سوى بقصائده حسب ما يذكر كتّاب المهجر ) وليس ذلك كعقيدة يرجو بها الخلاص الأخروي الفردي بل اتخذها كهجاء للمسيحية والمسيح والمسيحيين العرب في قصائد انتشرت كالنار في الهشيم في الأوساط الشعبية في بلاد المشرق وبخاصة في الكيانين الشامي ( سوريا ) واللبناني ومنها :
إذا حاولت رفع الضيمِ فاضرب
بسيف محمدٍ واهجر يسـوعا
” أحبّوا بعضكم بعضاً ” وعظنا
بها ذئباً . . . فما نجّت قطيعا
—————-
و . .
والسيف لا عيسى ولا أضرابه
خلق ” الكمال ” لهم من النقصانِ
وبما أن أنطون سعادة هو بالأصل من الطائفة الأرثوذكسية المسيحية في لبنان ورجل صاحب دعوة قومية اجتماعية تدعو إلى فصل الدين عن الدولة وتأسيس دولة علمانية تعتمد العقل شرعها الأول ، ودعوة لإلغاء الحواجز الطائفية بين شعب الأمة بكامله على مفهوم الانتماء القومي الذي من أهم مقوماته الأرض
( البيئة أي إقليم الهلال الخصيب ) والإنسان أي ( الإنسان _ المجتمع ) فكان من الطبيعي أن يحارب سعادة هذه الدعاوى وتلك الإشاعات التي تصب الزيت على نيران الفتن المتربصة بالمجتمع ككل بل أكثر من ذلك فقد كان سعادة يلاحق كل هذه الدعاوي ويفندها ويناضل بقلمه وأفكاره وبحركته الاجتماعية السياسية لا لإطفائها فحسب بل لبعث البديل الفكري بنهضة ترمي إلى توحيد المجتمع بكل أطيافه ومذاهبه لا على أساس عرقي ولا على أساس قبلي ولا أساس طائفي ولا على أساس لغوي بل على أساس وجودي مجتمعي مشدود بمغناطيسية دورة الحياة في المجتمع القائمة على التفاعل الحياتي وعلى المصالح المادية الروحية ( المدرحية ) مصالح الأفراد والشعوب التي تمازجت في هذه البيئة . . وبنظرة موحد للحياة والكون والفن ، وسعادة يقول في إحدى محاضراته : ( نحن في الحركة السورية القومية الاجتماعية بطل أن نكون محمديين أو مسيحيين نحن سوريون قوميون اجتماعيون ، فقد شهدت هذه الأرض أديانا تهبط عليها من السماء وها هي الآن تشهد دينا جديدا يرفع النفوس بزوبعة حمراء من الأرض نحو السماء بأركانها الأربعة الحرية والواجب والقوة والنظام ، نحن لنا من هذه الناحية وجهة دينية يجب أن نفهمها ) ولكنه كان يؤكّد ويصر على أن هذا لا يعني إلغاء الأديان السماوية من المجتمع ويترك الحرية حرية الإيمان الديني لكل فرد بأن يؤمن بما يشاء بما يخص خلاصه ما بعد الموت ، أما في الشأن الاجتماعي فيريد إقامة نظام قائم على الأخوة المجتمعية بانتماء قومي أساسه وعي الأمة لذاتها قائم على حياة المجتمع ووحدته الكلية ، ورغم ما في هذه الأفكار من خيال وطوباية فقد حقق ذلك سعادة داخل تنظيمه الحزبي ، الذي ضم شبانا مخلصين من كافة الطوائف الدينية ومن كافة الأعراق المختلفة في بلاد الشام وجعل منهم أنموذجا واقعيا حيا لأفكاره الطوباية .
إذن كان كتابه ( الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية ) كتابا برهن فيه أن الدين المسيحي والدين المحمدي دينان لهما أصل واحد هو التوحيد وما التباين الموجود بينهما سوى تباين حضاري في البيئتين اللتين نزل بهما كل دين فالمسيحية كانت في سوريا حيث لا حاجة للتشريع بسبب وجود الدولة المدنية وما سبقها من تطور حضاري على الصعيد السياسي والقانوني بينما المحمدية في وسط الجزيرة العربية ذات البيئة الصحراوية والموزعة على قبائل تتنازع على عصبيات قبلية ولا دولة مركزية لها اقتضت أن تكون تلبية لحاجة سكان تلك البيئة من التشريع وما تلاه من تعاليم تفقه المجتمع حتى مبادئ النظافة ومختلف شؤون الحياة التي لا تخفى على أحد . .
ولكن سعادة لم يكتب لتقليل شأن الإسلام المحمدي لأنه درسه من الناحية التاريخية وبحيادية عقلانية لا من ناحية رفضه كدين جاء مع الفاتحين العرب بل بالعكس دلل في كتابه على وجهات النظر ذات الأصول الواحدة بين الإنجيل والقرآن وحتى بين القرآن والتوراة ولكنه رغم دراسته المقارنة لعلم الأديان استثنى اليهودية واليهود ( وهو يعترف أنها نشأت في الهلال الخصيب ) إلا أنها بسب من جمودها ووقوفها حائلا في وجه حياة تفاعل المجتمع ( باعتبارها نفسها شعب ” يهوه إله اليهود الخاص ” المختار ) وكل الشعوب حولها أقل من البشر في معتقدهم ولهذا السبب اعتبر سعادة أن اليهودية السلفية (وبتنظيمها الصهيونية ) ستكون عثرة في وجه حياة وتفاعل المجتمع الحالي ووحدته الاجتماعية ويقول : عندما يقبل اليهود أن يكونوا جزءا منفعلا في هذا المجتمع ولا يسعون لإقامة ( غيتو ) أو كانتون داخله فلا مشكلة بالأساس معهم ولكنه يشكك في حصول ذلك إلا على مستوى أفراد ولذلك اعتبر الحركة الصهيونية أكبر خطر على سورية كلها وعلى العالم العربي بأسره .
وفي هذا الكتاب الخطير ( على سعادة وعلى حزبه كما حصل فيما بعد ) يقول :
( ما من سوري إلا وهو مؤمن لله رب العالمين منّا من آمن لله بالإنجيل ومنا من آمن لله بالقرآن ومنا من آمن بالله بالحكمة ( الدروز ) وليس لنا من عدو يقاتلنا في ديننا وفي معتقدنا وفي وطننا وحقنا بالوجود سوى اليهود . . فاتقّوا الله واتركوا الحزبيّات الدينية ) …………….يتبع